في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

معركة العُقاب


معركة العُقاب

معركة العُقاب
معركة العُقاب

لقد عرفت بلاد الأندلس العديد من المعارك الحاسمة والتاريخية في مصير دولة الإسلام في الأندلس، والتي كانت نقاط فاصلة في حياة الأمة، وإن كانت معارك مثل معركة وادي بَرْبَاط  وبلاط الشهداء والزلاقة والأرك و غيرها سببًا لتدعيم مكانة الدولة وزيادة قوتها، فإن معركة العقاب كانت فاتحة الانهيار لحصون المسلمين في الأندلس .

معركة العُقاب أو معركة لاس نافاس دي تولوسا (بالإسبانية: Batalla de Las Navas de Tolosa)، هي معركة وقعت في 16 يوليو 1212م، شكلت نقطة تحول في تاريخ شبه جزيرة أيبيريا. تجمعت قوات الملك ألفونسو الثامن ملك قشتالة ومنافسوه السياسيين سانتشو السابع ملك نافارة وألفونسو الثاني ملك البرتغال وبيدرو الثاني ملك أراغون ضد قوات الموحدين حكام الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الأيبيرية ومناطق واسعة من شمال وغرب أفريقيا. قاد قوات الموحدين السلطان محمد الناصر التي جاءت من شتى مناطق الدولة للمشاركة في المعركة.

فبعد الانتصار الباهر الذي حققه الموحدون حكام الأندلس والمغرب على صليبي الأندلس في معركة الأرك سنة 591هـ، ركن الصليبيون للمهادنة انتظارًا للفرصة السانحة للوثوب مرة أخرى، وكان ألفونسو الثامن منذ هزيمة الأرك الساحقة يتوق إلى الانتقام لهزيمته وغسل عارها الذي جلل سيرته وفترة حكمه، فلما اشتعلت ثورة بني غانية وهم من أولياء دولة المرابطين التي كانت تحكم الأندلس والمغرب قبل الموحدين، في شرق الأندلس وشمال إفريقيا انشغل زعيم الموحدين الناصر لدين الله بقمع هذه الثورة، وذلك منذ سنة 595هـ حتى سنة 607هـ، وهي السنة التي قرر فيها ألفونسو الثامن الهجوم على الأندلس مرة أخرى.

بدأ ألفونسو الثامن حملته الصليبية على الأندلس بإزالة الخلافات العميقة بين ممالك إسبانيا النصرانية الثلاثة (قشتالة - ليون - أراجون) والتي كانت سببًا مباشرًا لهزيمة الصليبيين المدوية في معركة الأرك سنة 591هـ، ثم قام ألفونسو الثامن بطلب المعونة والمباركة من بابا روما، وهو البابا إنوصان الثالث وكان يضطرم بروح صليبية عميقة ويجيش بأحقاد عظيمة تجاه المسلمين الذين أفشلوا الحملات الصليبية على الشام وحرروا القدس، فوافق البابا على ذلك الطلب وأعلن شن حرب صليبية ضد مسلمي الأندلس، بعدها بدأت التحرشات الإسبانية.

وصلت الأخبار إلى مراكش حيث السلطان الجديد ابن يعقوب وهو محمد, استنفر جيشه وأمر بالتجهيز والإعداد, لردع ملك قشتالة, فاستنفر المسلمين للغزو والجهاد, فجاءته الجيوش من سائر أقطار المغرب الإسلامي, وعبر البحر به إلى الأندلس في عام 607 هجرية, ونزل في جزيرة طريق قبل أن يواصل تحركه نحو اشبيلية, وأقام بها لإعداد جيشه وتنظيم قوته, وارتكب السلطان الموحدي هنا خطأ فادحا إذ أرسل خيرة جنده إلى حصن سلطبرة في مطلع العام 608 هجرية فأنهك بذلك قواهم, ولبث الجيش أمام الحصن ثمانية اشهر وهو ممتنع عليه.

 وأصر السلطان على هذا نزولا على نصح وزيره أبي سعيد عثمان بن عبد الله بن إبراهيم ابن جامع الأسباني الأصل, الذي كان قادة الجيش الإسلامي يشكون في صدق نياته, ولكن سلطانهم كان يضع فيه كل ثقته, وأصر الوزير أن لا يتقدم الجيش قبل الاستيلاء حصن سلطبرة, وهكذا استمر الحصار طوال الصيف حتى دخل الشتاء حيث عاد الجيش إلى اشبيلية بعد استيلاءه على الحصن لإراحة الجيش, لقد عانى المغاربة في الجبال الوعرة من قسوة الطقس, كما أودى المرض بحياة آلاف منهم, وأخذت وسائل التموين لهذا الجيش الضخم تصعب وتتعثر..

قام ملك قشتالة بترك قلعة سلطبرة تقع في قبضة المسلمين دون أن يتحرك لنجدتها وإنقاذها, وكان هدفه هو جعل هذه القلعة حجة له في طلب الدعم الصليبي, بالفعل توجه إلى استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين في الأندلس, وبعث الأساقفة إلى البابا ( انوسان الثالث) بروما يناشده إعلان الحرب الصليبية في أوروبا, وحث أهلها وشعوبها على السير إلى أسبانيا لقتال المسلمين, وقام الفونسو بعقد مؤتمر في (قونقة) شهده ملك اراغون, ومندوبون من قبل باقي ملوك النصارى لتوحيد جهود الأمارات النصرانية في أسبانيا لقتال الموحدين, وأطلق صيحته المشهورة ( كلنا صليبيون), فتوافدت على طليطلة جموع النصارى المتطوعين من كافة أنحاء المدن الأسبانية يقودهم القساوسة والأساقفة..

وأمر البابا بالصوم ثلاثة أيام والاكتفاء بالخبز والماء التماسا للنصر, وارتدى الرهبان السواد وساروا حفاة, وأقيمت الصلوات الخاصة في الكنائس طلبا للنصر..

وقد أثمرت جهود الفونسو الثامن في استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين, حيث عادت إليهم ذاكرتهم في معركة حطين وما حصل من ضياع بيت المقدس منهم وخشوا أن يتكرر ذلك في الأندلس بخسارة شمال الأندلس لمرة أخرى, كما قام البابا بتوقيع عقوبة الحرمان الكنسي على كل ملك أو أمير يتأخر عن مساعدة ملك قشتالة, كما أعلن الحرب الصليبية, وتوافدت جحافل الصليبيين من كل أنحاء أوروبا استجابة لدعوة البابا, واجتمع منهم نحو سبعين ألف مقاتل, حتى أن طليطلة لم تتسع لهذه الجموع الجرارة فأقام معظمهم خارج المدينة...

شن ملك قشتالة هجمات متفرقة لاستفزاز المسلمين, وخرب أراضي جيان وبياسة واندوجار, ثم عاد مرة أخرى إلى عاصمة ملكه طليطلة مثقلا بالغنائم..

تحركت الجيوش الصليبية الجرارة التي تجاوزت نصف مليون صليبي تحت قيادة الفونسو الثامن من مدينة طليطلة في 17 محرم من عام 609 هجرية, وقد كان الجيش الصليبي مكون من ثلاثة جيوش, فالأول كان بقيادة الفونسو نفسه, والثاني مكون من الاراغونيين والقطلونيين مع فرسان الداوية, والثالث يقوده الأمير القشتالي فرنانديز, فاخترقت هذه الجيوش حدود الأندلس, وضربت حصارا حول قلعة رباح حيث كان قائد الحامية هناك هو أبو الحجاج يوسف بن قادس والتي لا تتجاوز السبعين فارسا.

 وضرب أبو الحجاج ورفاقه أروع الأمثلة في الدفاع عن القلعة, وقام بإرسال استنجاد إلى سلطانه الموحدي, لكن رسائله لم تكن تصل إلى الخليفة والسبب هو الوزير ذو الأصول الأسبانية الموجود معه, فلما طال الحصار, رأى أبو الحجاج استحالة المقاومة مع فناء الأقوات وقلة السلاح, ويئس من انتظار وصول المدد, فقام بمصالحة ملك قشتالة على تسليم الحصن له, في مقابل أن يخرج المسلمون امنين على أنفسهم, واستمر زحف القوات الصليبية, فاستولت على حصن الارك وبعض الحصون الأخرى.. والملفت للنظر أن الجيوش الثلاثة مرت بحصن سلطبرة ولما وجدوه محصنا تركوه, وهذا إن دل فانه يدل على حصول مؤامرة ضد الجيش الإسلامي..

ولما علم سلطان الموحدين بخروج الجيش الصليبي الضخم خرج للقائهم, واستنفر الناس من أقاصي البلاد, فاجتمعت إليه جيوش كثيفة من القبائل المغربية والمتطوعة وجند الموحدين النظاميين, وجند الأندلس, وتالف من تلك الجموع الجرارة جيش عظيم بلغ نحو ثلاثمائة ألف مجاهد, فقسم جيشه إلى خمسة أقسام: الجيش الأول من قبائل البربر, والجيش الثاني من الجنود المغاربة, والجيش الثالث من الجنود الموحدين النظامية, والجيش الرابع من المتطوعة من جميع أنحاء المملكة والذين جعلوا في مقدمة الجيش مما سبب إرباكا كبيرا, والجيش الخامس هو جند الأندلس, وكان ممن جاءه من اشبيلية أبو الحجاج يوسف قائد حامية قلعة رباح, وبدون أي نقاش أمر السلطان بقتله دون أن يسمع حجته أو يحاط علما بملابسات التسليم, وكان للوزير ذو الأصول الأسبانية دور كبير في تحريض السلطان على قتله, والذي آثار غضب الكتائب الاندلسية على السلطان الموحدي وهذا ما ظهر لاحقا في المعركة..

بلغت الاستعدادات للمعركة من الطرفين, والتقيا في احد الوديان بين جبال سير مورينا, وهضبة لينارس, بالقرب من بلدة ( تولوزا), ويطلق الأسبان على هذه الوديان اسم ( نافاس), ولذا عرفت الموقعة عندهم باسم ( لاس نافاس دي تولوسا), وموقع المعركة موجود إلى يومنا هذا حيث يأتيه الصليبيون من كل مكان..لقد كان اختيار الصليبيين لهذا الموقع تكتيكيا فهو يمكن جيوشهم من الانحدار دون أن يستطيع الجيش الإسلامي إعاقته, أما المسلمون فقد أطلقوا على هذا الموقع اسم ( العقاب) نسبة إلى حصن أموي قائم بالقرب من المكان الذي دارت فيه المعركة وأثاره لا زالت إلى يومنا هذا..

وفي يوم 15 من صفر للعام 609 هجرية اندلعت المعركة بين الفريقين, وأقبلت مقدمة جموع الصليبيين الضخمة, فاجتاحوا جنود الإسلام في مقدمة الجيش وكانوا من المتطوعة وليسوا من الفرسان, فأبادوهم عن أخرهم, وتمكنوا من الوصول إلى قلب الجيش الموحدي واشتبكوا معه, لكن القلب صمد لهذا الهجوم الجامح ولا النصر للمسلمين..

كان ملك قشتالة يشاهد ما يحصل في ارض المعركة, فاندفع بقواته وقوات مملكتي ليون والبرتغال وكانت تمثل قلب الجيش الصليبي, واندفع وراءه ملكا اراغون ونبرة بقواتهما وكانا يمثلان جناحي الجيش, فأطبقا على الجيش الموحدي من كل جانب, فاضطربت صفوف الجيش, ولاذ المسلمون بالفرار, مما أربك أوضاع الجيش الذي استسلم للهزيمة القاسية..

وكان من الفارين من ساحة القتال السلطان الموحدي مع مجموعة من رجاله, بعد أن رأى هزيمة جيشه ومقتل ابنه على ارض المعركة, فرجع السلطان إلى خيمته منتظرا الموت أو الأسر إلا أن جموع المسلمين المنسحبة أجبرته على الفرار معها, فانطلق حتى وصل إلى اشبيلية ومنها إلى مراكش, وخسر المسلمون الألوف من المجاهدين في الأندلس, وعددا كبيرا من خيرة العلماء والفقهاء والقضاة, واستولى النصارى بهذه المعركة على معسكر الموحدين بجميع محتوياته من العتاد والسلاح والخيام والبسط والأقمشة والدواب..ولا تزال بعض أعلام الموحدين التي تركوها في معركة العقاب محفوظة في أسبانيا وفي متحف قرب موقع المعركة..

بعد انتهاء المعركة مباشرة تقدم الصليبيون تجاه حصن مدينة سلطبرة واستردوا الحصن والمدينة وقتلوا ستين ألفا من أهلها.. ومن ذلك الحصن انطلق فرنانديز تجاه قرطبة واستولى عليها عام 1236هجرية وجيان عام 1246م واشبيلية عام 1248م, ثم سقطت كل من اركوس وقادس وصيدا الاندلسية, وكان فرنانديز بعد هذه الانتصارات يطمح إلى عبور مضيق جبل طارق وضرب دولة الموحدين في عقر دارها إذ كانت تعاني من الانقسامات والثورات ولا يزال اثر الهزيمة فيها, ولكنه مات في اشبيلية قبل عبوره عام 1252م..أما ملك اراغون وكونت برشلونة فقد وسع مملكته باسترداد جزر الباليار ومدينة بلنسية, ولم يتبق للإسلام في الأندلس سوى غرناطة..

لقد فجع الموحدون بهذه الهزيمة القاسية التي راح ضحيتها الألوف من زهرة جنود المسلمين, مما اضعف دولة الموحدين, وافقدهم هيبتهم وقوتهم, وبعد وفاة سلطان الموحدين عام 610 هجرية بدأ الضعف يتسلل إلى الدولة, ويتطرق إليها الخلاف والفرقة, و بالتالي مهد إلى سقوط دولة الموحدين, مما اضعف الأندلس وشجع النصارى على تصفية ما بقي للمسلمين من ارض, واختزلت دولتهم في مملكة غرناطة في جنوب الأندلس فقط والتي سقطت عام 1492م ولا حول ولا قوة إلا بالله.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية