في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

اخر فرسان الاندلس " موسى بن أبي غسان"

اخر فرسان الاندلس " موسى بن أبي غسان"
اخر فرسان الاندلس " موسى بن أبي غسان"

اخر فرسان الاندلس " موسى بن أبي غسان"

إمارةِ غرناطة

بعد تهاوي الدولة الموحدية إثر هزيمة العقاب، اكتسحت جيوش النصارى مدن الأندلس واحدة تلو الأخرى، و تم تقاسم النفوذ بين قشتالة و أراغون، فتولت مملكة أراغون احتلال كل ما في شرق الأندلس مسقطة المدن الشهيرة كبلنسية و شاطبة و جزر الباليار و غيرها، و تولت قشتالة وسط و غرب الأندلس. و في ظل الفوضى العارمة و غياب القيادة و انهيار الموحدين.

ظهر إبن هود في شرق الأندلس، و الذي استطاع جمع قوة لا بأس بها و ضم كثيراً من المدن تحت سلطانه و كان عازماً على إنهاء الموحدين و صد النصارى في آن واحد، إلا أنه توفي فجأة و تشير الروايات إلى اغتياله من أحد أمراء الأندلس الطامعين. و في تلك الظروف المأساوية دخل فرناندو الثالث قرطبة عاصمة الأمويين و حاضرة الأندلس في ضربة قاصمة للوجود الإسلامي في الأندلس. و تزامنت هذه الأحداث بظهور محمد بن نصـر الملقب بابن الأحمر، و هو من عائلة عربية يعود نسبها لسعد بن عبادة سيد الأنصار، فالتفت حوله مدن جنوب الأندلس و دانت له بالطاعة، و أصبحت غرناطة مقر إمارته، و اجتمع إليه قوة لا بأس بها لحماية ما تبقى من أرض الاندلس.

و قد رأى فرناندو الثالث ملك قشتالة في ابن الأحمر أخر قوة وجب التعامل معها فحشد جيشه و زحف إلى أحواز جيّـان يرافقه بيلايو كوريرا، المعلم الأكبر لفرقة القديس يعقوب الصليبية، و استطاع أن يسقط الحصون و الخطوط الأمامية للمدينة في قبضته ثم ضرب حصاره على جيّـان عام 1245. و عند ذلك قام محمـد بن نصـر بالقدوم إلى فرناندو الثالـث شخصياً في معسكره أثناء الحصار، و عرض عليه تسليم المدينة بالأمان. ففرض عليه فرناندو شروط معاهدة جيّـان، و وافق ابن نصـر عليها على الرغم من خطورتها و ضربها لكل مبدأ إسلامي.

نصت معاهدة جيّـان على تحديد حدود مملكة غرناطة الجديدة التي سيحكمها ال نصـر و لكن باسم ملوك قشتالة و ليون و بتبعية كاملة لهم. و على أن تقدم غرناطة جزية سنوية مقدارها 150 ألف قطعة ذهبية، و أن يحضر ابن الأحمر اجتماع مجلس الكورتيس في قشتالة بصفته من الأمراء التابعين للعرش. و كان البند الأشد فداحة هو تعهد ابن الأحمـر بمساعدة النصارى ضد أي خصم لهم و إمدادهم بالجنود، و توجت هذه الخيانة بمشاركته مع الجيش النصراني المحاصر لإشبيلية، درة الدرر الأندلسية، و ذلك أثناء سقوطها المدوي عام 1248.

توالى حكام غرناطة الواحد تلو الآخر، وقد انقسمت الأندلس الى دُويلات صغيرة كل مدينة يحكمها أمير عرفوا في التاريخ بملوك الطوائف؛ لايملون من التناحر بينهم و الإستعانة بملوك قشتالة و أراغون على بعضهم ، حتو وصل الأمر إلى لأمير محمد الثّاني عشر أمير غرناطة الملقب أبو عبد الله الصغير ؛ا أبو عبد الله الصغير لم يعد يطيق مواجهة قشتالة ، ترك مالقة للسقوط بعد حصار لم يشهد التاريخ مثلة ، قصفت بالأنفاط – المدافع – و حوصرت بحراً وبراً في حملة صليبية باركتها أوروبا .

حصار غرناطة

استغل فرناندو الخامس هذا الموقف جيدًا لصالحه، وبدأ يهاجم حصون غرناطة؛ حيث كان يعلم أن هناك خلافًا وشقاقًا كبيرًا داخل البلد، فدارت المعارك بين المسلمين والقشتاليين على أكثر من جبهة،

وَلم تزل الْحَرْب مُتَّصِلَة بَين الْمُسلمين وَالنَّصَارَى كل يَوْم تَارَة فِي أَرض الفخار وَتارَة فِي أَرض بليانة وَتارَة فِي أَرض رسانة وَتارَة فِي أَرض طفير وَتارَة فِي أَرض يعمور وَتارَة فِي أَرض الجدوى وَتارَة فِي أَرض رَملَة أفلوم وَتارَة فِي أَرض الربيط وَتارَة وَادي منتثيل وَغير ذَلِك من الْمَوَاضِع الَّتِي على غرناطة.

فما كان من قشتالة إلا محاصرة حاضرة غرناطة ، حصار دام لشهور ، حصار جعل غرناطة الخضراء تجوع ، فقد كان هناك عبىء ثقيل فى غرناطة المكتظة بالسكان ، أكلوا لحوم جيادهم ، وقاوموا الحصار الشديد ، فسفن قشتالة تقف في البحر الزقاق ، وتفصل بين العدوتين المغربية والاندلسية ، وقد تيقن الجميع انتهاء عصر المسلمين فى الأندلس …

موسى بن أبي غسان

برز في هذا الحصار الأخير داخل غرناطة حركة جهادية يترئسها رجل يُسمى موسى بن أبي غسان، فكان أن حرَّك الجهاد في قلوب الناس، وبدأ يُحَمِّسهم على الموت في سبيل الله، وعلى الدفاع عن بلدهم وهويتهم، فاستجاب له الشعب وتحرك للدفاع عن غرناطة.

الغريب أن موسى بن أبي غسان تجاهلته المصادر التاريخية العربية تماماً، في الوقت الذي كان حضوره في الرواية النصرانية طاغياً كنموذج للفارس المسلم الشهم النبيل الذي يمثل البقية الباقية من روح الفروسية المسلمة في الأندلس!!!! وقد اهتم به المؤرخون الإسبان وتتبعوا أخباره، واحتل في كتاباتهم مكانة متميزة ومساحة واسعة؛ بإعتباه فارس غرناطة رفض تسليم غرناطة إلى النصارى، وقاوم حتى النهاية .

نشأته

عاش موسى في غرناطة، مسقط رأسه، في بيت ميسور وجاه موفور، فهو من أبناء وجوه القوم، وصفوتهم في غرناطة. وكان ينتمي إلى أسرة عربية غرناطية عريقة النسب تتصل ببيت الملك، وتضرب بجذورها إلى قبيلة غسان والغساسنة قبيلة عربية يمانية عريقة حكمت بلاد الشام قبل الإسلام. وكانت أسرة موسى واحدة من الأسر العربية القديمة التي عرفت بفروسيتها وغيرتها على دينها ووفائها .

وتميزت أسرة موسى أيضا بإسهامها في الحياة العامة، وبدورها الكبير في تشييد نهضة غرناطة وصرحها الحضاري وكان لنشأة موسى في هذه الأسرة العربية المحافظة على تقاليد الفروسية العربية القديمة ، تأثيره وبصمته على شخصيته . ولم يذكر أحد أن موسى بن أبي الغسان كان عالما أو أديبا، وإنما ذكروا أنه كان فارسا جسورا، وبطلا مغوارا، ومبارزا جيدا.

وعلى الرغم من أن موسى قد نشأ في فترة الانهيار العظيم للحضارة العربية والإسلامية في الاندلس ، وبينما كانت غرناطة تلفظ أنفاسها الأخيرة وتؤذن بنهاية الوجود الإسلامي في الأندلس إلا أنها أدركت شيئا من بقايا قرون الفخار وأمجاد الأمس الغابر، ولا سيما فيما يتعلق بالنشاط العلمي والأدبي ، وكانت غرناطة بتلك الحقبة تزخر بالعلماء .

وفيما يبدو من الأخبار القليلة جدا والمستقاة أساسا من المصادر المسيحية أن موسى بن أبي الغسان لم يكن فارس فرسان غرناطة فقط، وإنما كان أيضا رئيسا لعشيرته. وهذا يفسر لنا، وجوده في بهو الحمراء ضمن أكابر الجماعة وأهل الحل والعقد وأبناء البيوتات، في غرناطة، الذين كانوا يساهمون مع الملك في إدارة شئون البلاد، وينوبون عنه في الاتصال بأهاليها، ويطلعونه على ما يستجد من أخبارهم، والذين كان يستشيرهم أيضا قبل أن يتخذ القرارات المصيرية، ويرجع إلى رأيهم في المهمات والملمات. ولا سيما في ذلك الوقت الأغبر الذي كانت فيه غرناطة على كف عفريت وعلى شفا حفرة . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عقله وثبوت فطنته وأصالة رأيه، فضلا عن دلالته على سمو رتبته وارتفاع مكانته الاجتماعية والسياسية.

الدفاع عن غرناطة

وطيلة سبعة أشهر كاملة ظل أصحاب الانتفاضة في دفاعهم عن حصون غرناطة ضد الهجمات النصرانية الشرسة؛ يقول صاحب كتاب نبذة العصر:

«رجع ملك قشتالة إلى فحص غرناطة، ونزل بمحلته بقرية عتقة، ثم شرع في البناء، فبنى هنالك سورًا كبيرًا في أيام قلائل، وصار يهدم القرى، ويأخذ ما فيها من آلة البناء، ويجعله على العجل، ويحمله إلى ذلك البلد الذي بناه، ويبني به، وهو مع ذلك يقاتل المسلمين ويقاتلونه قتالاً شديدًا، وحارب ملك الروم -أيضًا- أبراج القرى الدائرة بغرناطة وأخذها، ولم يبق إلا قرية الفخار، فلم يزل يُلِحُّ عليها ويجلب عليها بخيله ورجله، ويطمع أن يجد فرصة فلم يقدر على شيء، حتى قتل له عليها خلق كثير من الروم، ووقعت عليها ملاحم كثيرة بين المسلمين والنصارى؛ لأن المسلمين كانوا يُلِحُّون على حمايتها خوفًا من أن يملكها الروم؛ فتكون سببًا في إخلاء قرى الجبل وحصار البلد، فلم يزالوا يدافعون عنها ويقاتلون مَنْ قصدها؛ حتى قصر عنها العدو؛ لكثرة ما قُتل له عليها من خيل ورجال.

والمسلمون فوق ذلك صابرون محتسبون، واثقون بنصر الله تعالى، يقاتلون عدوهم بنية صادقة وقلوب صافية، ومع ذلك يمشي منهم الرجال في ظلام الليل لمحلة النصارى، ويتعرضون لهم في الطرقات، فيغنمون ما وجدوا من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم ورجال، وغير ذلك حتى صار اللحم بالبلد من كثرته: رطل بدرهم.

ومع ذلك لم تزل الحرب متصلة بين المسلمين والنصارى، والقتل والجراحات فاشيان في الفريقين سبعة أشهر، إلى أن فنيت خيل المسلمين بالقتل، ولم يبقَ منها إلا القليل، وفني -أيضًا- كثير من نجدة الرجال بالقتل والجراحات».

وتبعات الحرب المتواصلة، فظلت غرناطة تضعف شيئًا فشيئًا، ثم لما دخل فصل الشتاء ونزلت الثلوج أصابت طريق البشرة -الذي كانت الأطعمة تأتي عبره إلى غرناطة- فقل الطعام عند ذلك في أسواق المسلمين في غرناطة، واشتد الغلاء وأدرك الجوع كثيرًا من الناس وكثر السؤال.

تسليم غرناطة

وهنا لم يكن أمام الغرناطيين إلا التسليم بالأمان، فذهب جمع منهم إلى ملكهم محمد؛ طالبين منه أن يفاوض ملك قشتالة على التسليم بالأمان، وقد أورد صاحب نبذة العصر ما يُفيد بأن التسليم كان رغبة قائمة في نفس محمد الصغير من قبل، إلاَّ أنه خاف من العامة، فكان يُراسل ملك قشتالة سرًّا، ولهذا قطع ملك قشتالة الحرب فترة، وبقي على ما هو فيه من الحصار والتشديد، منتظرًا جهود محمد الصغير في إقناع العامة بالتسليم بالأمان، فلما أثمرت جهوده مع العامة، وذهب وفدهم إليه، سارع مستجيبًا لهم، ثم سارع مرسلاً وزراءه إلى ملك قشتالة، الذي سارع بدوره بالقبول.

إستشهاد موسى بن أبي غسان

في رد فعل طبيعي وصريح له حيال ما حدث وقف موسى بن أبي غسان -رحمه الله- في قصر الحمراء وقال: لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة مَلِكِهم؛ إن الموت أقل ما نخشى (يُريد أن هناك ما هو أصعب من الموت)؛ فأمامنا نهب مدننا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا، وتخريب بيوتنا، وهتك نسائنا وبناتنا، وأمامنا الجور الفاحش والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون والأنطاع والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف، وهذا ما سوف تراه على الأقل تلك النفوس الوضيعة، التي تخشى الآن الموت الشريف، أما أنا فوالله! لن أراه.

يُريد موسى بن أبي غسان أنه لن يرى كل هذا الذُّل، الذي سيحل بالبلاد جراء هذا التخاذل والتقاعس، وأنه اختار الموت الشريف، ثم غادر المجلس وذهب إلى بيته ولبس سلاحه وامتطى جواده.

وانطلق يقابل سرية من سرايا النصارى، وبمفرده يقابل موسى بن أبي غسان خمس عشرة رجلاً من النصارى، فيقتل معظمهم، ثم يُقتل هو في سبيل الله.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية