في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

قصة عبد الله بن حذافة مع قيصر الروم

قصة عبد الله بن حذافة مع قيصر الروم
قصة عبد الله بن حذافة مع قيصر الروم

 قصة عبد الله بن حذافة مع قيصر الروم

من هو عبد الله بن حذافة؟

هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم القرشي السهمي ، المكنى بِـ "أبي حُذافة". هو أحد صحابة النبي محمد صلّى الله عليه و سلم الذين بُعثوا إلى ملوك الأعاجم برسائل تدعوهم إلى الإسلام. وكانت رسالة عبد الله إلى كسرى ملك الفرس وذلك في السنة السادسة للهجرة.

رسالته إلى كسرى

في السنة السادسة للهجرة بعد عقد صلح الحديبية مع قريش عزم رسول الله محمد صلّى الله عليه و سلم أن يدعو ملوك وأمراء ذاك الزمان إلى دين الإسلام؛ فوقف وخطب بصحابته واختار منهم من يحمل رسائله، وكان اختيار النبي لسفرائه قائمًا على مواصفات معينة، اذ كانوا يتحلون بالعلم والفصاحة، والصبر والشجاعة، والحكمة وحسن التصرف، وحسن المظهر. وكان عبد الله بن حذافة ممن اختارهم النبي ليحمل رسالته إلى بلاد فارس حيث كان له دراية بهم ولغتهم، وكان أبي حذافة مضرب الأمثال في الشجاعة وثباته عند الشدائد

مضمون الرسلة

وجاء في الرسالة التي حملها عبد الله بن حذافة السهمي: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك."

جهز عبد الله بن حذافة راحلته، وودع زوجته وولده، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد وتحطه الوهاد؛ وحيدًا فريدًا ليس معه إلا الله، حتى بلغ ديار فارس، فاستأذن بالدخول على ملكه، وأخبر الحاشية بالرسالة التي يحملها له, عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزين، ودعا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا، ثم أذن لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه.

دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس مرتديًا شملته الرقيقة، مرتديًا عباءته الصفيقة، عليه بساطة الأعراب، لكنه كان عالي الهامة، مشدود القامة تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام، وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان, فما إن رآه كسرى مقبلاً حتى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده فقال: إنما أمرني رسول الله أن أدفعه لك يدًا بيد وأنا لا أخالف أمرًا لرسول الله, فقال كسرى لرجاله: اتركوه يدنو مني، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده، ثم دعا كسرى كاتبًا عربيًّا من أهل الحيرة وأمره أن يفض الكتاب بين يديه، وأن يقرأه عليه فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى.."

فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار حتى اشتعلت نار الغضب في صدره، فاحمر وجهه، وانتفخت أوداجه لأن الرسول الله بدأ بنفسه , فجذب الرسالة من يد كاتبه وجعل يمزقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح: أيكتب لي بهذا، وهو عبدي؟!!.

خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى ، وركب راحلته وانطلق, فلما قدم عبد الله على النبي الله أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه الكتاب، فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال: "مزق الله ملكه".

إسلام باذان نائب على اليمن

أما كسرى فقد كتب إلى باذان نائبه على اليمن:

((أن ابعث إلى هذا الرجل، الذي ظهر بالحجاز، رجلين جَلْدين من عندك، ومُرهما أن يأتياني به .

فبعث باذان رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وحمَّلهما رسالةً له، يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كِسرى، دون إبطاء، وطلب إلى الرجلين أن يقفا على خبر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأن يستقصيا أمره، وأن يأتياه بما يقفان عليه من معلومات .

فخرج الرجلان يُغِذَّان السير، حتى بلغا الطائف، فوجدا رجالاً من تجَّار قريش، فسألاهم عن محمَّدٍ عليه الصلاة والسلام، فقالوا: هو في يثرب، ثم مضى التجَّار إلى مكة، فرحين مستبشرين، وجعلوا يهنِّئون قريشاً، أنْ قَرّوا عيناً، فإنّ كسرى تصدَّى لمحمَّد، وكفاكم شرَّه .

أما الرجلان، فَيَمَّمَا وجهيهما شطر المدينة، حتى إذا بلغاها لقيا النبي عليه الصلاة والسلام، ودفعا إليه رسالة باذان، وقالا له: إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا باذان، أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد أتيناك لتنطلق معنا إليه، فإن أجبتنا، كلَّمنا كسرى بما ينفعك، ويكفُّ أذاه عنك، وإن أبيت، فهو مَن قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك، وإهلاك قومك، لم يغضب النبي، بل تبسَّم عليه الصلاة والسلام، وقال لهما: ارجعا إلى رحالكما اليوم، وائتيا غداً .

فلما غدوا على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في اليوم التالي، قالا له: هل أعددتَ نفسك للمُضِيِّ معنا إلى لقاء كسرى؟ فقال لهما النبي عليه الصلاة والسلام: لن تلقيا كسرى بعد اليوم، فلقد قتله الله ، حيث سلَّط عليه ابنه شيرويه في ليلة كذا من شهر كذا وقتَله, إنه خبرُ الوحي, فحدَّقا في وجه النبي، وبدت الدهشة على وجهيهما، وقالا: أتدري ما تقول! أنكتب بذلك لباذان؟ قال: نعم، وقولا له: إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى، وإنَّك إن أسلمتَ، أعطيتكَ ما تحت يديك، وملَّكتكَ على قومك .

خرج الرجلان من عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وقدما على باذان، وأخبراه الخبر، فقال لهما: لئن كان ما قال محمّدٌ حقاً فهو نبيّ , فلم يلبث أن قدم على باذان كتابٌ من شيرويه، وفيه يقول: أما بعد فقد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا انتقاماً لقومنا، فقد استحلَّ قتلَ أشرافهم، وسبيَ نسائهم، وانتهابَ أموالهم، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممّن عندك .

فلما قرأ باذان كتاب شيرويه، حتى طرحه جانباً، وأعلن دخوله في الإسلام، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن.

أسره عند الروم

ففي السنة التاسعة عشرة للهجرة، بعث عمر بن الخطاب جيشاً لحرب الروم، فيهم عبد الله بن حذافة السهمي، وكان قيصر عظيم الروم قد تناهت إليه أخبار جيش المسلمين، وما يتحلَّون به من صدق الإيمان، ورسوخ العقيدة، واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله، فأمَرَ رجاله إن ظفروا بأسيرٍ من أسرى المسلمين أن يبقوا عليه، وأن يأتوه به حياً، وشاء الله أن يقع عبد الله بن حذافة السهمي أسيراً في أيدي الروم، فحملوه إلى مليكهم, وقالوا:

((إنَّ هذا من أصحاب محمد السابقين إلى دينه، قد وقع أسيراً في أيدينا، فأتيناك به)) .

نظر ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة طويلاً، ثم بادره قائلاً: إني أعرض عليك أمراً ، قال: وما هو؟

قال: أعرض عليك أن تتنصَّر، فإنْ فعلتَ خلَّيت سبيلك، وأكرمت مثواك، فقال الأسير في أنفةٍ وحزم: "هيهات, إن الموت لأحبُّ إليَّ ألف مرة ممّا تدعوني إليه" .

قال قيصر: ((ني لأراك رجلاً شهماً، فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك، أشركتك في أمري، وقاسمتك سلطاني)).

فتبسَّم الأسير المكبَّل بقيوده، وقال: "واللهِ لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمدٍ طرفة عينٍ ما فعلت" .

قال قيصر : إذًا: أقتلك, قال: أنت وما تريد, ثم أمر به فصُلِب، وقال لقنَّاصته سرّا :

((ارموه قريباً من يديه، وهو يعرض عليه التنصُّر فأبى, قال: ارموه قريباً من رجليه، وهو يعرض عليه التنصُّر فأبى .

عند ذلك طلب إليهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب، ثم دعا بقدرٍ عظيمة، فصُبَّ فيها الزيت، ورُفعت عن النار حتى غلت، ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين، فأمر بأحدهما أن يُلقى فيها فأُلقي، فإذا لحمه يتفتت، وإن عظامه لتبدو عارية بعد إلقاه، ثم التفت إلى عبد الله، ودعاه إلى النصرانية، فكان أشدَّ إباءً من قبل .

فلما يئس منه، أمر به أن يُلقى في القدر التي أُلقي فيها صاحباه، فلما ذُهِب به دمعت عيناه، فقال رجال قيصر لملكهم: يا سيِّدي إنه قد بكى، فظَنَّ أنه قد جزع، فقال: ردّوه إلي, فلما مثُل بين يديه، عرض عليه النصرانية فأباها، قال: ويحك فما الذي أبكاك إذًا, ألم تكن خائفاً؟

قال: "واللهِ ما أبكاني إلا أني قلت في نفسي: تُلْقى الآن في هذه القدر، فتذهب نفسك، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعرٍ أنفُسٌ، فتُلقى كلُّها في هذه القدر في سبيل الله" ، فقال قيصر : هل لك أن تقبِّل رأسي وأُخلِّي عنك؟

فقال له عبد الله: وهل تُخلّي عن جميع أسرى المسلمين؟ فقال الطاغية: وعن جميع أسارى المسلمين أيضاً, قال عبد الله: فقلت في نفسي: عدوٌ من أعداء الله، أُقبِّل رأسه، فيُخلّي عني وعن أُسارى المسلمين جميعاً، لا ضيرَ في ذلك, ثم دنا منه، وقبَّل رأسه، فأمر ملك الروم، أن يجمعوا له أسارى المسلمين، وأن يدفعوهم إليه، فدُفِعوا له، وانطلق بهم إلى المدينة .

فلمّا قدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخبره خبره، فسُرَّ به الفاروق أعظم السرور، ولما نظر إلى الأسرى, قال: حقٌ على كل مسلمٍ أن يقبِّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ بذلك، ثم قام وقبَّل رأسه)).
توفي أبي حذافة رضي الله عنه في مصر عام 33هـ أثناء خلافة عثمان بن عفان.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية