في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

محاكم التفتيس - القانون الهمجى

محاكم التفتيس -  القانون الهمجى
محاكم التفتيس -  القانون الهمجى

محاكم التفتيش - القانون الهمجى

بمعاهدة تسليم غرناطة المعقودة بين أبي عبد الله الصغير والملكين الكاثوليكيين ، سقطت دولة الاندلس،رغم معارضة فريق من المجاهدين على رأسهم الفارس موسى بن أبي غسان واضعا بذلك نهاية للحكم الإسلامي في الأندلس الذي دام ثمانية قرون ، تضمنت شروط التسليم تَعهُدَ السلطات الإسبانية باحترام عقائد وعادات المسلمين في الأندلس ، ولكن ما لبث أن نكث بها الملكين الكاثوليكيين بعد خروح السلطان مباشرة ،غدراً وخيانة !

بمشورة من كبيرالقساوسة الكاثوليك الكاردينال (ثيسنيروس) بإصدار مرسوم مٍلكي تأمر إزابيلا فيه المسلمين الإسبان باعتناق المسيحية أو مغادرة البلاد، لكنها فرضت على الراغبين في الرحيل إتاوات وغرامات مستحيلة لا يملكها فقراء المسلمين ، ولكن الأنكى من ذلك أنها فرضت على كل من ينوي المغادرة من المسلمين شروط تعجيزية منها التخلي عن أموالهم و أطفالهم الصغار ليتم تنصيرهم !

محاكم التفتيش

كانت محاكم التفتيش والتحقيق الإسبانية مضرب المثل في الظلم والقهر والتعذيب، كانت تلك المحاكم والدواوين تلاحق المسلمين؛ حتى تظفر بهم بأساليب بشعة تقشعر لها القلوب والأبدان ؛ تم تشكيل محاكم التفتيش التي مهمتها التأكد من تنصير المسلمين، وقد تبين للمحاكم أن كل أعمال التنصير لم تؤت نفعًا، فقد تنصر المسلمون ظاهرًا، ولكنهم فعليًّا يمارسون الشعائر الإسلامية فيما بينهم سرًّا، ويتزوجون على الطريقة الإسلامية، ويرفضون شرب الخمر وأكل لحم الخنزير، ويتلون القرآن في مجالسهم الخاصة ويقومون بنسخه وتداوله فيما بينهم، بل إنهم في منطقة بلنسية أدخلوا عددًا من الكاثوليك الإسبان في الإسلام وعلموهم اللغة العربية والشعائر الإسلامية.

لقد جاءت تقارير محاكم التفتيش صاعقة على رأس الكاردينال والملك الإسباني والبابا، في أحد التقارير التي رفعها أسقف غرناطة الموكل بتنصير مسلمي غرناطة للكاردينال، ورد أن الموريسكوس لم يتراجعوا خطوة واحدة عن الإسلام، وأنه لم يتم إيجاد طرق فاعلة لوقفهم، وإن لم يتم إيجاد تلك الوسائل فإنهم سيدخلون مسيحيي غرناطة وبلنسية ومدن أخرى في الإسلام بشكل جماعي.

وبناء على هذه التقارير تقرر إخضاع جميع الموريسكوس في إسبانيا إلى محاكم التفتيش من دون استثناء، وكذلك جميع المسيحيين الذين يُشك بأنهم قد دخلوا الإسلام أو تأثروا به بشكل يخالف معتقدات الكنيسة الكاثوليكية، ولتبدأ أكثر الفصول وحشية ودموية في التاريخ ، إذ بدأت هذه المحاكم تبحث بشكل مهووس عن كل مسلم لتحاكمه.

كانت ثورة البشرات نذير موجة جديدة من هجرة الموريسكيين إلى ما وراء البحر، فجازت منهم إلى إفريقية جموع عظيمة، ولكن الكثرة الغالبة منهم بقيت فى الوطن القديم، هدفاً للاضطهاد المنظم، والقمع الذريع المدنى والدينى، فإلى جانب الأوامر الملكية بمنع الهجرة، وحظر التصرف فى الأملاك أو حمل السلاح وغيرها من القوانين المقيدة للحقوق والحريات، كان ديوان التحقيق من جانبه، يشدد الوطأة على الموريسكيين، ويرقب كل حركاتهم وسكناتهم، ويغمرهم بشكوكه وريبه، ويتخذ من أقل الأمور والمصادفات ذرائع لاتهامهم بالكفر والزيغ، ومعاقبتهم بأشد العقوبات وأبلغها.

أعلن هذا القانون المروع فى غرناطة فى يوم أول يناير سنة 1567، وهو اليوم الذى سقطت فيه غرناطة بعد ثورة البشرات و انتفاضة المورسكيين الشعبية ، واتخذته اسبانيا عيداً قومياً تحتفل به فى كل عام، وأمر ديسا رئيس المجلس الملكى بإذاعته فى غرناطة، وسائر أنحاء مملكتها القديمة، وتولى إذاعته موكب من القضاة شق المدينة، ومن حوله الطبل والزمر، وعلق فى ميدان باب البنود أعظم ميادينها القديمة، وفى سائر ميادينها الأخرى، وفى ربض البيازين، فوقع لدى الموريسكيين وقع الصاعقة، وفاضت قلوبهم الكسيرة سخطاً وأسى ويأساً، وأحيط تنفيذه بمنتهى الشدة، فحطمت الحمامات تباعاً.

ومنع الاغتسال على الطريقة العربية، ومنع ارتداء الملابس العربية أو التحدث باللغة العربية أو الاستماع إلى الغناء العربي، ومنع الزواج على الطريقة العربية أو الشريعة الإسلامية، ووضعت عقوبات صارمة جدًّا بحق كل من يثبت أنه يرفض شرب الخمر أو تناول لحم الخنزير، وكل مخالفة لهذه الممنوعات والأوامر تعد خروجًا على الكاثوليكية ويحال صاحبها إلى محاكم التفتيش.

شهادة المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون


يقول المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه "حضارة العرب " حيث يقول عن محاكم التفتيس : "يستحيل علينا أن نقرأ دون أن ترتعد فرائضنا من قصص التعذيب والاضطهاد التي قام بها المسيحيون المنتصرين على المسلمين المنهزمين ، فلقد نص رّوهم عنوة ، وسلموهم لدواوين التفتيش التي أحرقت منهم ما استطاعت من الجموع . واقترح القس "بليدا" قطع رؤوس كل المسلمين دون أي استثناء ممن لم يعتنقوا المسيحية بعد، بما في ذلك النساء والأطفال ، وهكذا تم قتل أو طرد ثلاثة ملايين مسلم ".

نزولا على وحى الكنيسة وتوجيهها المباشر، أن تعجل بإجراءات التنصير والقمع، وأن تذهب فى ذلك إلى حدود من الإسراف والغلو،فكانت دواوين التفتيش هى التى أسبغت على مأساة الموريسكيين أو العرب المتنصرين صبغتها المفجعة، كما أسبغت على إسبانيا المعاصرة وصمة عار، لم يمحها إلى اليوم كر الأجيال والعصور.

قوانين ديوان التحقيق

وقد نقل إلينا الدون لورنتى مؤرخ ديوان التحقيق الإسبانى، وثيقة من أغرب الوثائق القضائية، تضمنت طائفة من القواعد والأصول التى رأى الديوان المقدس أن يأخذ بها العرب المتنصرين، فى تهمة الكفر والمروق، وإليك ما ورد فى تلك الوثيقة الغربية:

"يعتبر الموريسكى أو العربى المتنصر قد عاد إلى الإسلام، إذا امتدح دين محمد، أو قال إن يسوع المسيح ليس إلهاً، وليس إلا رسولا، أو أن صفات العذراء أو اسمها لا تناسب أنه، ويجب على كل نصرانى أن يبلغ عن ذلك، ويجب عليه أيضاً أن يبلغ عما إذا كان قد رأى أو سمع، بأن أحداً من الموريسكيين يباشر بعض العادات الإسلامية، ومنها أن يأكل اللحم فى يوم الجمعة، وهو يعتقد أن ذلك مباح، وأن يحتفل يوم الجمعة بأن يرتدى ثياباً أنظف من ثيابه العادية.

أو يستقبل المشرق قائلا بسم الله، أو يوثق أرجل الماشية قبل ذبحها، أو يرفض أكل تلك التى لم تذبح، أو ذبحتها امرأة، أو يختن أولاده أو يسميهم بأسماء عربية، أو يعرب عن رغبته فى اتباع هذه العادة، أو يقول إنه يجب ألا يعتقد إلا فى الله وفى رسوله محمد، أو يقسم بأيمان القرآن، أو يصوم رمضان ويتصدق خلاله، ولا يأكل ولا يشرب إلا عند الغروب، أو يتناول الطعام قبل الفجر (السحور).

أو يمتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، أو يقوم بالوضوء والصلاة، بأن يوجه وجهه نحو الشرق ويركع ويسجد ويتلو سوراً من القرآن، أو أن يتزوج طبقاً لرسوم الشريعة الإسلامية، أو ينشد الأغانى العربية، أو يقيم حفلات الرقص والموسيقى العربية، أو أن يستعمل النساء الخضاب فى أيديهن أو شعورهن.

أو يتبع قواعد محمد الخَمْس، أو يملس بيديه على رؤوس أولاده أو غيرهم تنفيذاً لهذه القواعد، أو يغسل الموتى ويكفنهم فى أثواب جديدة، أو يدفنهم فى أرض بكر، أو يغطى قبورهم بالأغصان الخضراء، أو أن يستغيث بمحمد وقت الحاجة منعتاً إياه بالنبى ورسول الله، أو يقول إن الكعبة أول معابد الله، أو يقول إنه لم ينصر إيماناً بالدين المقدس، أو إن آباءه وأجداده قد غنموا رحمة الله لأنهم ماتوا مسلمين،وأن تفتح أبواب منازلهم أيام الحفلات وأيام الجمع والسبت، وألا يقيموا رسوم المسلمين أيام الحفلات، وألا يتسمّوا بأسماء عربية".

وصدرت عدة أوامر ملكية بالعفو عن الموريسكيين فيما تقدم من الذنوب، فإذا عادوا طبقت عليهم أشد القوانين والفروض، فأذعن الموريسيكيون لكل ما فرض عليهم، ولكنهم افتدوا من الإمبراطور بمبلغ طائل من المال، حق ارتداء ملابسهم القومية، وحق الإعفاء من المطاردة إذا اتهموا بالردة .

وكان الإمبراطور شارل حينما أصدر قراره بتنصير المسلمين، قد وعد بتحقيق المساواة بينهم وبين النصارى فى الحقوق والواجبات، ولكن هذه المساواة لم تحقق قط، وشعر العرب المتنصرون منذ الساعة الأولى، أنهم مازالوا موضع الريب والإضطهاد، وفرضت عليهم فروض وضرائب كثيرة لا يخضع لها النصارى، وكانت وطأة الحياة تثقل عليهم شيئاً فشيئاً، وتترى ضدهم السعايات والإتهامات، وقد غدوا فى الواقع أشبه بالرقيق منهم بالرعايا الأحرار. ولما شعرت السلطات بميل الموريسكيين إلى الهجرة، وفشت فيهم هذه الرغبة، صدر قرار فى سنة 1541، يحرم عليهم تغيير مساكنهم، كما حرم عليهم النزوح إلى بلنسية، التى كانت دائماً طريقهم المفضل إلى ركوب البحر.

ثم صدر قرار بتحريم الهجرة من أى الثغور إلا بترخيص ملكى نظير رسم فادح. وكانت السياسة الإسبانية تخشى دائماً اتصال الموريسكيين بمسلمى المغرب، وكان ديوان التحقيق يسهر على حركة الهجرة ويعمل على قمعها بمنتهى الشدة، ومع ذلك فقد كانت الأنباء تأتى من سفراء اسبانيا فى البندقية وغيرها من الثغور الإيطالية، بأن كثيراً من الموريسكيين الفارين، يمرون بها فى طريقهم إلى إفريقية والشرق الإسلامى .

وخلال هذا الاضطهاد الغامر، كانت السياسة الإسبانية فى بعض الأحيان، تجنح إلى شىء من الرفق في نظرهم ، فنرى الإمبراطور فى سنة 1543 يبلغ "المحققين العامين" بأنه تحقيقاً لرغبة مطران طليطلة والمحقق العام، قد أصدر أمره بالعفو عن المسلمين المتنصرين من أهل "مدينة دلكامبو" و "أريفالو" فيما ارتكبوه من ذنوب الكفر والمروق، وأنه يكتفى بأن يطلب إليهم الإعتراف بذنوبهم أمام الديوان.

يجب أخيراً على الموريسكيين الذين يستخدمون العبيد السود أن يقدموا رخصهم باستخدامهم للنظر فيما إذا كان حرياً بأن يسمح لهم باستبقائهم .

هذه هى نصوص ذلك القانون الهمجى الذى أريد به تسديد الضربة القاتلة لبقايا الأمة الأندلسية، وذلك بتجريدها من مقوماتها القومية الأخيرة. وقد فرضت على المخالف عقوبات فادحة، تختلف من السجن إلى النفى والإعدام، وكان إحراز الكتب والأوراق العربية ولاسيما القرآن، يعتبر فى نظر السلطات من أقوى الأدلة على الردة، ويعرض المتهم لأقسى أنواع العذاب والعقاب.

وبعد مرور أربعة قرون على سقوط الأندلس، أرسل نابليون حملته إلى إسبانيا وأصدر مرسومًا سنة (1808م) بإلغاء دواوين التفتيش في المملكة الإسبانية.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية