في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

فتح جزيرة رودس

فتح جزيرة  رودس
فتح جزيرة  رودس

فتح جزيرة  رودس

السيطرة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط

كان للدولة البيزنطية في العصور الوسطى السيطرة والسيادة على البحر الأبيض المتوسط بلا منافس، وكان لبيزنطة أسطول دائم ومهيب، وعدة قواعد بحرية، ودور لصناعة السفن في القسطنطينية وعكا والإسكندرية وقرطاجة، وسرقوسة بصقلية ورافنا بإيطاليا وغيرها.

وإلى جانب الأسطول البحري، كان لبيزنطة عدد من السفن التجارية تستخدم في عمليات نقل الجند والإمدادات، وكان تتحكم في منافذ البحر الأبيض: القسطنطينية ومصر وسبتة، مما استحال معه دخول أية تجارة خارجية إلى هذا البحر دون موافقتها، وشملت تجارتها العالم كله آنذاك.لم يكن للمسلمين عهد بركوب البحر أو الحرب في أساطيله، لكنهم وجدوا خلال فتوح الشام أن الأسطول البيزنطي مصدر تهديد خطير ومباشر لأمنهم، وأمن المناطق المفتوحة واستقرار الإسلام فيها، فأدركوا أن بناء أسطول إسلامي ضرورة استراتيجية حيوية..

ولما وَلِيَ معاوية بن أبي سفيان الشام، كتب إلى عمر الفاروق يستأذنه في غزو البحر؛ وذلك لقرب الروم من السواحل العربية، فكتب عمر إلى عمرو بن العاص واليه على مصر قائلاً: "صف لي البحر وراكبه؛ فإن نفسي تنازعني عليه". فكتب عمرو إلى الخليفة عمربن الخطاب مجيبًا على رسالته: "إني رأيت خلقًا كبيرًا يركبه خلق صغير، ليس إلى السماء والماء، إن ركد خرق القلوب، وإن تحرك أزاغ العقول، يزداد فيه اليقين بالنجاة قلةً، والشك كثرةً، هم فيه كَدُود على عود، إن مال غرق، وإن نجا برق".

قرأ عمر الفاروق كتاب عمرو بن العاص، وأرسل جوابه إلى واليه على الشام معاوية قائلاً: "والذي بعث محمدًا بالحق، لا أحمل فيه مسلمًا أبدًا، وبالله لمسلم واحد أحب إليَّ مما حوت الروم".. ووقف عمر موقفه هذا لأسباب؛ منها خوفه على أرواح المسلمين، حيث إنهم ما عهدوا ركوب البحر مقاتلين فيه، ودولة الروم دولة عريقة في علوم البحار وفنونه، فهو منعهم من الغزو في البحر شفقةً عليهم.. وعندما ولي عثمان الخلافة كتب إليه معاوية يستأذنه في غزو البحر، وبعد أن استكمل معاوية الاستعدادات، وافق عثمان على طلبه ولكنه اشترط عليه شروطًا، فكتب إليه: "لا تنتخب الناس ولا تُقرع بينهم، خيِّرهم، فمن اختار الغزو طائعًا، فاحمله وأعنه".

لم يتم بناء اسطول عسكري إسلامي إلا في عهد الخليفة عثمان بن عفان فكانت نواة هذا الأسطول من السفن التي وجدوها في موانئ الشام ومصر، ثم انطلقوا إلى صناعة السفن في دور الصناعة، وهكذا دخل السلاح البحري في الاستراتيجية العسكرية الإسلامية لأول مرة في تاريخ المسلمين، وبدأ هذا السلاح الناشئ بسرعة مذهلة في ممارسة العمليات البحرية.

أول معركة بحرية يخوضها المسلمون

كانت معركة ذات الصواري البحرية،أول معركة بحرية يخوضها المسلمون كان هدفها الاول هو إجهاض القوة البحرية الإسلامية النامية، كان إنتصار المسلمون في ذات الصواري حدا فاصلا للسيطرةة الرومية على البحر لسيطرة، أظهر فيها الأسطول الفتيُّ الصبر والإيمان، وانطلق المسلمون في عرض هذا البحر الذي كان بحيرة رومية، وانتهى اسم بحر الروم إلى الأبد، واستطاع المسلمون فتح قبرص وكريت وكورسيكا وسردينيا وصقلية وجزر البليار، ووصلوا إلى جنوة ومرسيليا.

فأصبح البحر المتوسط بحيرة إسلامية، وصار الأسطول الإسلامي سيد مياه البحر المتوسط، وهذا الأسطول ليس للتسلط والقرصنة بل للدعوة إلى الله وكسر شوكة المشركين، ونشر الحضارة المنبثقة عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، و عكف المسلمون على دراسة علوم البحرية، وصناعة السفن، وكيفية تسليحها، وأسلوب القتال من فوقها، وعلوم الفلك المتصلة بتسييرها في البحار، ومعرفة مواقعهم على المصورات البحرية المختلفة، فيما بعد، فعرفوا الاصطرلاب "البوصلة الفلكية"، وطوروها وبرعو علماء و عالمات في تطوير الاصطرلاب كالعالمة مريم الاسطرلابية استفاد منه بعد ذلك البحارة الغربيون أمثال: كرستوف كولومبس، وأمريكوفيسبوشي في اكتشافاتهم .

جزيرة رودس

رودس (باليونانية: Ρόδος) هي جزيرة يونانية في البحر الأبيض المتوسط. تعرف الجزيرة تاريخياً بكونها موقع تواجد تمثال أبولو رودس سابقاً، وهو أحد عجائب الدنيا السبع. تقع بالقرب من الساحل الجنوبي لتركيا، في منتصف المسافة بين جزر اليونان الرئيسية وقبرص. تعد رودس أبعد الجزر الشرقية بالنسبة لليونان وبحر إيجة. تبعد عن غرب تركيا بحوالي 18 كلم. في عام 2001 بلغ عدد سكانها 117792 نسمة، منهم 55 إلى 60 ألف يعيشون في مدينة رودس.يقدر عدد المسلمين ب 3500 مسلم.

فتح رودس

يقول ابن كثير عن فتح رودس: "ثم دخلت سنة ثلاث وفيها افتتح المسلمون -وعليهم جنادة بن أبي أمية- جزيرة رودس، فأقام بها طائفة من المسلمين كانوا أشد شيء على الكفار، يعترضون لهم في البحر ويقطعون سبيلهم، وكان معاوية يدر عليهم الأرزاق والأعطيات الجزيلة، وكانوا على حذر شديد من الفرنج، يبيتون في حصن عظيم عنده فيه حوائجهم ودوابهم وحواصلهم، ولهم نواطير على البحر ينذرونهم إن قدم عدو أو كادهم أحد، وما زالوا كذلك حتى كانت إمرة يزيد بن معاوية بعد أبيه، فحوَّلهم من تلك الجزيرة، وقد كانت للمسلمين بها أموال كثيرة وزراعات غزيرة". يقول البلاذري عن جنادة بن أبي أمية: "وجنادة أحد من روى عنه الحديث، ولقي أبا بكر وعمر ومعاذ بن جبل، ومات في سنة ثمانين".

بعد فتح رودس

أقام المسلمون برودس سبع سنين في حصنٍ اتخذ لهم، فلما مات معاوية كتب ابنه يزيد إلى جنادة يأمره بهدم الحصن والرجوع. ولما كان مسلمة بن عبد الملك في طريقه إلى القسطنطينية فتح ردوس مرة ثانية في عهد سليمان بن عبد الملك، وبعد فشل حصار القسطنطينية أفلتت الجزيرة من يد المسلمين، ثم حاول الخليفة هارون الرشيد فتح رودس، ولكنها بقيت تابعة لبيزنطة حتى استولى عليها فرسان الصليبيين..

استطاع الفرسان الصليبيون الاستيلاء على جزيرة رودس عام 708هـ/ 1309م، وأخذ هؤلاء الفرسان منذ ذلك الحين يُعرفون باسم فرسان رودس، وازداد نشاطهم في العقدين الثالث والرابع من القرن الرابع عشر الميلادي، وقاموا بشن حملات قرصنة ناجحة ضد بعض الإمارات التركية الموجودة في غرب الأناضول.

وظلت رودس خاضعة للصليبيين حتى انتزعها العثمانيون ، بدأ النزاع بينهم عندما اعتدت سفن الفرسان على بعض السفن العثمانية عام 747هـ/ 1346م، وحطمتها وأسرت بعض بحارتها العثمانيين، ثم أخذ القتال يتجدد من وقت لآخر، كما شاركت رودس في كل الحملات الصليبية التي نظمتها أوربا ضد الدولة العثمانية، وعلى سبيل المثال فقد أسهمت رودس في تقديم سفنها للعمل جنبًا إلى جنب مع القوات الأوربية التي جُهزت لمحاربة العثمانيين في الحملة الصليبية التي دارت أحداثها في موقعة نيكوبولس عام 799هـ/ 1396م، والتي انتهت بنصر كبير للقوات العثمانية على الحملة الصليبية.

وفي عهد السلطان محمد الثاني طلب السلطان محمد إلى قائد الفرسان دفع جزية له، إلا أن طلبه رُفض، فقام السلطان بمهاجمة جزيرة كوس التابعة للفرسان في عام 859هـ/ 1455م، ولم يتمكن من الاستيلاء عليها، ومع ذلك فإن قائد الفرسان وافق على دفع الجزية للعثمانيين عام 877هـ/ 1462م.

فتح رودس على يد السلطان العثماني سليمان القانوني

تم إعادة فتح جزيرة رودس مرة أخرى في عهد السلطان سليمان القانوني في 7 صفر 929هـ، وكان السبب في فتحها أن لصوصها البحريين كانوا يتعرضون للسفن التجارية العثمانية، وكثيرًا ما يعتدون على الحجاج ويوقعون بهم. وحدث في عهد السلطان سيلمان أنهم اغتصبوا بعض السفن العثمانية ونهبوا ما بها، وقتلوا الكثير من ركابها، فعزم السلطان على فتح تلك الجزيرة؛ ليأمن شر أهلها، فأمر بإعادة جيش وأسطول لفتحها.

وعندما سمع أميرها (دوفيلييه دوليل اَدم) أن السلطان قادم على فتح الجزيرة أرسل سفراءه إلى السلطان ليرضيه بدفع الجزية للدولة العثمانية، وكان قصده من ذلك كسب الوقت حتى تفرغ الدول الأوربية لمساعدته؛ لأن الحرب كانت قائمة بين فرنسا وألمانيا، والعالم المسيحي في اضطراب لظهور المذهب البروتستانتي. فلم يقبل السلطان اقتراحات دوفيلييه دوليل اَدم، واستمر في تجهيزاته الحربية وخرج بقوة عسكرية مكونة من 300 سفينة حربية و400 سفينة نقالة تحت قيادة بيلان مصطفى باشا، تحمل عشرة آلاف جندي تحت قيادة الوزير الثاني داماد مصطفى باشا، ثم خرج السلطان نفسه بجيش عظيم من البر قاصدًا مرمريس الواقعة على ساحل الأناضول تجاه جزيرة رودس؛ للإمداد والوقوف على حركة جيش العدو.

وصلت تلك الجيوش إلى جزيرة رودس في شعبان سنة 928هـ، فأخذت السفن تذهب وتجيء أمام حصون مدينة رودس عاصمة الجزيرة، أما السلطان فقد ركب البحر على رأس جيش وصل إلى ميدان القتال وأخذ يدير أمر الحصار بنفسه، ثم أمر جيوشه بالحملة على الحصون ودوام مناوأة العدو، وحاول أهل الجزيرة الدفاع عنها بشجاعة، لكن القوات العثمانية استمرت في الضغط حتى اضطرهم لقبول التسليم بعد حصار دام سبعة أشهر.

وبعد الاتفاق معهم على شروط التسليم، وصلت إلى الجزيرة سفن أوربية لمساعدتهم، فعاد أمراء الجزيرة إلى نقض ما أبرموه طمعًا في احتمال التغلب على الأتراك بمساعدة السفن الأوربية، وعادت الحرب مرة أخرى، وكبرت الخسارة من الجانبين، وانتهى الأمر بتسليم أمير الجزيرة بمطالب الأتراك، فحضر إلى خيمة السلطان بنفسه وأمضى شروط التسليم، الذي كان بمقتضاه أن يخرج أمراء الجزيرة وأتباعهم بأسلحتهم الخاصة وأمتعتهم، فخرجوا وتسلم السلطان الجزيرة واحتل قلاعها، وكان ذلك في يوم 7 صفر سنة 929هـ، وصارت جزيرة رودس من ذلك اليوم عثمانية.

بعد دخول السلطان العثماني سليمان القانوني رودس ظافرا، اختار كبار القساوسة وفرسانهم مغادرة الجزيرة، فاتجهوا إلى مالطا وأقاموا فيها(وعرفوا بـفرسان القديس يوحنا الأورشليمي أو فرسان مالطا)، وحاصرتها البحرية العثمانية في نهاية عهد القانوني ولكن دون أن تفلح في فتح الجزيرة بسبب دخول الحصار فترة الشتاء.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية