في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية

الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية
الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية

الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية

دور المسلمين في تطوير العلوم العسكرية :

أرسى المسلمون تقاليد عسكرية، وابتكروا الكثير من فنون القتال، الجيش الإسلامي أول من استخدم البارود، وقد عرفه المسلمون قبل الغربيين، وليس كما يزعم بعض المستشرقين، أن الأوربيين قد استخدموه في حروبهم وعرفوه قبل المسلمين، فقد تمَّ استعماله لأول مرة في مصر، وذلك لتوافر مادة النطرون بكثرة فيها.

وقد ذكر المقريزي في حوادث عام 727هـ أن البارود قد استُعْمِل بجوار النفط في حفل زفاف ابنة سلطان مصر الناصر محمد بن قلاوون، فقال: "وعمل قجليس في القلعة برجًا من بارود ونفط"،اعتبر بعض المؤرخون كتاب “الفروسية والمناصب الحربية” هو بداية لمعرفة المسلمين لمسحوق البارود، وأن “الرماح” أول من استخدم “ملح البارود” على نطاق واسع واستخدمه في المدافع، وقد ذكر في كتابه هذا العديد من وصفات البارود والتي تزيد على العشرة وكلها تعطينا مسحوق بارود متفجر.

أما أقدم إشارة أوروبية للبارود كانت عام 1300 في كتاب “ماركوس الإغريقي” بما يؤكد أن العرب كانوا الأسبق. ومن المعروف أن الصينيين استخدموا البارود منذ القديم لكنها كانت للألعاب النارية فقط ولم يتوصلوا للتقنية اللازمة للتفجير العسكري..

من هو الرِّياش بن غانم الأندلسى

هو إبراهيم بن أحمد غانم بن محمد بن زكريا الأندلسى، الملقب بالرِّياش والرِّياش تحريف لكلمة الريس االتي تطلق على ربابنة البحرو أشتهر كذلك بالمعجم لأنه أعجمي اللسان ، ولد في قرية نَولِش الواقعة في إقليم غرناطة خلال الربع الأول من القرن الحادي عشر الهجري الربع الأخير من القرن السادس عشر الميلادي

عارف بآلات الحرب. أندلسي. رحل من غرناطة، يقول عن نفسه في كتابه : "إبراهيم ابن أحمد غانم الأندلسي من نولش من إقليم غرناطة. ويشير إلى أن كلمة الرياش إسبانية" . وصنف (كتاب العز والرفعة والمنافع، للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع)  ، وهو أول كتاب عربي وإسلامي يصدر عن المدافع والعلوم المدفعية، وبذلك يعد ابن غانم رائد علم المدفعية في الحضارة الإسلامية.

حياته و نشأته

عاش بن غانم فى فترة محاكم التفتيش فى إسبانيا فلجأت عائلة ابن غانم الرياش إلى مدينة إشبيلية. وبالرغم من أن هذه المدينة ليست مرفأ بحريًا فإن ابن غانم أحب البحر والأسفار البحرية منذ نعومة أظفاره، ولعل ذلك راجع إلى رغبته الدفينة بالهجرة من الأندلس والقيام بالجهاد البحري ضد الأسبان الذين ساموا شعبه أشد أنواع العذاب في تلك الفترة.

وقد تظاهر كبقية أبناء شعبه بالتنصر، وتعلم الإسبانية ليتعلم علوم البحر وينخرط فى إحدى السفن الكبرى الذاهبة لأمريكا المكتشفة حديثاً، والتي يسميها ابن غانم ” (الهنود المغربية البعيدة) وخلال رحلاته فى ” البحر المحيط “و تجوله فى موانئه الأندلسية والأمريكية، لم يتعلم علوم البحر فقط، وإنما تعلم أيضاً علوم المدفعية عن طريق استماعه للربابنة الإسبان، وملاحظته لطرق التدريب ويصف ذلك بقوله:” وكانوا يجتمعون مع أكابر القوم للكلام في تلك الصناعة (صناعة آلات الحرب البارودية)، وتارة يأتون بالكتب المؤلفة في ذلك الفن، وهي كثيرة، لأن العارفين بالعلم، المباشرين للعمل، وغيرهم، لما رأوا أن ملوكهم يعظمون أهل ذلك الفن ومن يؤلف فيه فُتنوا به، وكنت أجالسهم وأحفظ بعض ما يتفقون عليه، وأشتغل بيدي في المدافع، وجميعهم لا يظنون بى أنني أندلسي”.

واكتشفوا بعد ذلك ـ أنه مسلم ـ فأودعوة السجن حتى قيَض الله لـه واحداً من أكابر الإسبان الذين كانوا من رفاقه في السفر فتوسط لـه حتى تم إطلاق سراحه فعاد إلى إشبيلية. وبعد خرج لاحظ أنه مراقب مما جعل حياته صعبة فحاول السفر إلى المغرب ولكن رفُض طلبه فدفع رشوة كبيرة ليحصل على غايته سنة (1016هـ/1607 م) و هاجر بعد ذلك مع جمع من قومه لتونس فوصل في عهد الداي عثمان قبل (1017هـ/ 1608 م)، وهي سنة وفاة الداي عثمان وتوّلى الداي يوسف.

ويصف لنا هجرته واستقباله فى تونس بالقول: “فخرجت من تلك البلاد إلى بلاد المسلمين مع جملة الأندلس وكانوا منعوني من ذلك، فعملت بيَنة بأنني من الأندلس لنخرج معهم، ولم ينفعني شيء من ذلك. ثم أنفقت دراهم في الرشوات، وخرجت من بينهم، وجئت إلى مدينة تونس حرسها الله فوجدت فيها كثيراً من الأصحاب والأحباب من الأندلس، وأقبل عليً أمير المدينة عثمان داي رحمه الله تعالى، وقدمني على مائتي رجل من الأندلس وأعطاني خمسمائة سلطانية، ومائتي مكحلة ( أي مائتا بارودة)، ومائتي سكيناً، وغير ذلك مما يحتاج إليه في سفر البحر “.

وبعد ذلك بدأ ابن غانم الرياش أعمال الجهاد ضد الكفار في “البحر الصغير” لحساب حاكم تونس، الداي عثمان، ولكنه اضطر للعودة بغنائم قليلة بعد أن أصيب بجرح بليغ جعله يشرف على الهلاك.

جهاد ابن غانم الأندلسى فى البحر و أعماله :

يصف حملته الجديدة زمن الداي يوسف :” وبعد أن برئت ركبنا أيضاً البحر، وسافرنا فيه في طلب الكفار وأموالهم ونحن بقرب مدينة مالقة وهي على حاشية هذا البحر الصغير، تقابلنا بإحدى عشر غراباً وذلك في نصف شهر أغشت( آب1018هـ/ 1609 م) والبحر ساكن ولاشيء من الريح ووقع الحرب الشديد ومات من الجانبين خلق كثير ودام الطراد الكبير حتى لم يبق منا إلا القليل وأسرونا وصحَ أن من الكفار أعدائنا مات في ذلك اليوم أكثر من ستمائة رجل كان بينهم أكثر من عشرين من أكابرهم وأسرونا وأنا مثقل بالجراح”.

و أُسر 7 سنوات و قيض الله لـه النجاة وجرت مبادلة للأسرى بين الداي وملك غرناطة وعاد لتونس واستقر بمرفأ ” حلق الوادي “و عينه الداي رئيساً لمفرزة المدافع الرابضة هناك. وبـ “حلق الوادي” وبعد رحلة طويلة من الأسر والرشاوى والهروب والجهاد ضد الكفار في البحر الأبيض المتوسط، استقر ابن غانم في مدينة حلق الوادي كما ذكرنا حيث وضع كتابه عن المدافع بعد أن رأى جهل رجال المدفعية المستقرين هناك وقلة إلمامهم بأصول المهنة.

ألّف كتابه عن المدافع و يصف أسباب تأليف كتابه: “ولما رأيت الطائفة المسماة بالمدافعين المرتبَين لامعرفة لهم بالعمل وأنهم لا يعمَرون ولا يرمون بما يقتضيه العمل عزمت على تصنيف هذا الكتاب لأن كل مدفع لـه قيمة مال وتعب في إيجاده ثم يوكل على تسخيره والرمي به من يكسره ويفنيه في الرمية الأولى أو في الثانية والموكل عليه الذي يعمره ويرميه قريباً من الهلاك.

فحملني على تصنيفه النصح لـه و لمن وكله عليه. نسأل الله أن يقبل النية إنها أبلغ من العمل وأن ُييسر لي من يعربه بالعربية من الكلام الإشبانيول وهو الكلام العجمي المتصرف ببلاد الأندلس ولا قصدت به نفعاً دنياوياً بل الإخلاص لله تعالى بترجمته لنكتب منه نسخاً ونبعثها إن شاء الله لبعض المواضع في بلاد المسلمين ونذكر فيه ما يحصل النفع من وجوه وللمدافعين القائمين بما يوجب عليهم من الحقوق فيما تصدَروا إليه وتكلفوا به من خدمة أمراء المسلمين ويحصل لهم الأجر عند الله سبحانه بتفريج المسلمين بإتقان أعمالهم وتخويف أعدائهم الكافرين”.

«العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع» كتبه باللغة الإسبانية في عام 1632م (1042هـ)، وفي سنة 1634م (1046هـ) ترجمه إلى العربية ترجمان سلاطين مراكش أحمد بن قاسم بن أحمد الشهاب الحجري الأندلسي ، ويعتبر أول كتاب يتحدث بشكل تخصصي في المدافع والبارود؛ حيث تحدث عن المدافع البرونزية، وأعطانا دلائل على التحوُّل النوعي في استخدام قذائف المدفعية، بصنع قذائف تنفجر فتُسبب القتل والحرق أو الإضاءة في القتال الليلي.

يقول المترجم الشهاب الحجري عن ترجمة الكتاب الى العربية :” وبعد أن اشتغلت بعض الأيام بترجمة الكتاب توقفت من أجل أسماء المدافع وما يتعلق بها لأنه لم نعرف لها أسماء عربية حتى طرحت القلم وأردت أن أتركه ثم تذكرت في الحين لرؤيا رأيتها قبل ذلك اليوم كنت أقرأ في قوله تعالى ” الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل” فتقوى عزمي على ترك البخل من نفسي وأشتغلت به وسهل الله علي من تلك الساعة حتى اختتمته، وكنت إذ يُشكل علي شيء من الكتاب نسأل الريس مؤلفه ويبين لي في الحين بياناً شافياً كل ما نسأله عليه.

وعلمت أن كل ماذكر وكتب هو عنده بالقول والفعل، وفي اليوم الذي عزمت على تمام تعريب الكتاب فقمتُ من النوم عند الصباح ولساني يقول قوله تعالى( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لك الإسلام ديناً) ففهمت من الآية أن الله تبارك وتعالى قبل الكتاب ورضيه نسأله سبحانه أن ينفعنا به في الدنيا الآخرة وللمسلمين بفضل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله وسميت الكتاب بإذن الريس مؤلفه كتاب العز والمنافع للمجاهدين بالمدافع”. ..

وكان ابن غانم الأندلسى التقي بمعاصره الشهاب الحجري ترجمان سلاطين مراكش في ذلك الوقت أثناء مرور الأخير بتونس في رحلته إلى الحج، حيث أبدى رغبته بترجمة الكتاب إلى العربية.

أهمية الكتاب

إن أهمية كتاب "العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بآلات الحرب والمدافع" كبيرة؛ لأنه جمع الكثير من التجارب الحربية التي سبقته والتي أجراها ابن غانم الأندلسي بنفسه أيضًا وتأكد من نجاحها، ولذلك يمكن القول إن هذا الكتاب هو أول كتاب ظهر باللغة العربية عن العلوم المدفعية بشكل مستقل ومتكامل.

ولقد ظهر واضحًا من خلال منهج الكتاب متابعة ابن غانم الأندلسي للعمليات الحربية منذ اختبار المعادن المناسبة لنوع المدفع، ثم طرق الصناعة، ثم مراحل إنتاج المدفع، وهكذا حتى عملية الرمي بالمدافع، ولعل تسجيل هذه المراحل تعطي للنص العسكري أهمية بالغة في مجال التراث الحربي.

تقسيمه لأنواع المدافعابن :
الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية
الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية

وضع بن غانم فى كتاب“العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بآلات الحرب والمدافع” 50 باباً في وصف البارود والآلات الحربية القاذفة وتركيب المدافع واختلافها ووصف أدواتها وطرق تعميرها والرمي بها إلى غير ذلك ويتخلل ذلك 51 رسماً يوضح مختلف أجزاء المدفع و أضاف المترجم إلى الكتاب مداخلتين قصيرتين ضمن النص كما ذيلها بفصل إضافي عن الجهاد وثوابه والأسباب التي دعته لترجمة النص من الإسبانية إلى العربية ومن تقسيمات أبوابه:

1- توصيات وتذكيرات للمجاهدين بآلات الحرب البارودية وما يحتاجه ليتقن صنعه وعمله.

2- ذكر الآلات البارودية:تركيب المعدنية منها وما يضاف للنحاس من القصدير عند تفريغها وتذويبها / 3-: ذكر آلات الحرب ونتيجتها والمقصود بها، وذكر اختلافها بعضها عن بعض.

4- في تعمير المدافع ./5-في أخذ القياس للرمي بالربع وعمله وتفصيله..الرِّياش بن غانم الأندلسى و علوم المدفعية

6- في ذكر معادن أنواع المدافع./7- في كيفية تبريد المدافع من كثرة الرمي بها من غير توقف/8- في معرفة البارود./9- في كيفية عمل البارود./10- في ذكر حمل المدافع في البر./11- في عمل القناطر على الوديان./ 12- في ذكر ما يحتاجه المدافعي للسفر في البر والبحر بآلات البارود./ 13- في ذكر أحسن الوجوه لعمل البارود في زمننا هذا.

و يمكن القول أنه أول كتاب ظهر باللغة العربية عن العلوم المدفعية بشكل مستقل ومتكامل وحوى كثيراً من المصطلحات العلمية و الفنية في مجال المدفعية وأورد أنواعاً عدة للمدافع خلال تصنيفها انطلاقاً من وزن عمارة البارود ( الحشوة ) التي تتطلبها بحسب حجم القذائف (الكور كما يسميها) فيجعلها في32 نوعاً تضمها 3 فئات رئيسة:

1ـ ( القلبرينات ): جمع قلبرينة وتعني (الحية) لأن الواحد منها طويل كالثعبان وهي تعمر بنصف وزن كراتها(قذائفها) من البارود وهي ترمي على الأهداف البعيدةوهي تضم /15/ نوعاً فرعياً.

2ـ ( القنيونات): ويسميها أحياناً (المدافع) أو (مدافع التهديم)، لأنها تستخدم لرميات التدمير بشكل خاص وهي أقصر في الطول من القلبرينات وتعمر بثلثي وزن قذائفها من البارود إلا فيما يتعلق بثلاثة أنواع فرعية منها حيث يمكن تعميرها(تلقيمها) استثنائياً بمثل وزن كراتها من البارود وهي تضم /12/ نوعاً فرعياً.

3ـ ( الحجاريات ): وهي مدافع قصيرة في الطول فمها واسع وهي معدة لرمي الحجارة أو قذائف أخرى (قدور النفط، قطع الحديد، قذائف محرقة أو مضيئة، الحيوانات والرمم المتفسخة) التي قد يتجاوز وزن الواحدة منها قنطاراً كاملاً( 100رطل). وهي امتداد للمنجنيقات التي يجعلها ابن غانم نوعاً فرعياً من المدافع يسميها ( البَلشِطر ) تحريفاً للكلمة الإسبانية (باليستا) التي تعني (منجنيقاً) أيضاً. وتعمر هذه المدافع بنصف وزن قذائفها أو بثلث وزن قذائفها من البارود. وهي تضم ستة أنواع من المدافع. ويشمل هذا النوع أيضاً مدافع الهاون التي يسميها المؤلف (المهارس) وهي جمع لكلمة مهراس التي تعني (الجرن) أو (الهاون).

- توفي ابن غانم الرياش في تونس بعد سنة(1048هـ) رحمة الله تعالى .

كتاب ابن غنام
إصدار الكتاب حذيثا

قامت مؤخرا دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة بإصدار كتاب "العز والرفعة والمنافع للمجاهدين في سبيل الله بالمدافع"، بعد أن قام الباحث إحسان الهندي المتخصص في العلوم الحربية بتحقيق مخطوطة لابن غانم الرياش الأندلسي، التي وضعها بالأسبانية عام 1631 وقام بترجمتها إلى العربية بعد بضع سنين أحمد الشهاب الحجري، أحد مترجمي البلاط في مراكش.



ويعتبر المحقق في تقديمه للمخطوط أنه أول مُؤلَّف عربي في علوم المدفعية، حيث يقدم المؤلف عبر خمسين بابا تفاصيل فنية دقيقة عن آلات الحرب البارودية بما فيها المعادن التي تستخدم في صناعتها، وأنواع المدافع وفق المعادن التي تصنع منها وأشكالها، وكيفية استخدامها سواء التي تقذف كرات الحديد أو الحجارة أو غيرها.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية