في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

ابن سحنون و المنهاج التعليمي

ابن سحنون و المنهاج التعليمي
ابن سحنون و المنهاج التعليمي

ابن سحنون و المنهاج التعليمي

ورد في "سير أعلام النبلاء" للإمام الذهبي أن ابن سحنون هو أبو عبدالله محمد بن سحنون، ولد بالقيروان سنة 202هـ، ونشأ في كنَفِ أبيه، فقيه المغرب وإفريقيا: عبدالسلام سحنون التنوخي القيرواني شيخ المالكية، الذي اعتنى بتربيته وتأديبه وتعليمه، فأخذ حظه من القرآن الكريم والعلوم الضرورية، وتحوَّل إلى مجالس الدروس على يد ثُلَّة من شيوخ إفريقية، فحمل عنهم مروياتهم وأتقنها، ورحل إلى الأمصار وتعلم عدة علوم، وعاد إلى إفريقية مزودًا بتجربة وعلم غَزير ليشعَّ به على المَغرب وإفريقيا.

وقد اشتغل بالتعليم بالقيروان، وألَّف رسالة سماها: "آداب المعلمين"، وهي على صِغَر حجمها - إذ لا تتجاوز ستًّا وعشرين صفحة (26 صفحة) - رسالة قيِّمة ونفيسة، بما تتضمَّنُه من آراء تربوية تعبِّر بوضوح عن أن الأمة الإسلامية عُنيت بقضايا التعلُّم والتعليم. كان محدثا بصيرا بالآثار ، واسع العلم ، متحريا متيقنا ، علامة كبير القدر ، وكان يناظر أباه .

آراء ابن سحنون التربوية


اهتمَّت الأمم عبر عصور التاريخ بموضوع التربية والتعليم، وطرائقه وأساليبه، وأسهمَ العلماء والفلاسفة والباحثون منذأقدم العصور حتى يومنا هذا في وضع النظريات التي ما زالت تتطور حينًا بعد حين، وما تزال موضِعَ اهتمام المُفكِّرين والمُصلِحين.

وتعتبرالتربية الإسلامية تلك التربية التي أسهم العلماء المسلمون فيها إسهامًا كبيرًا، بأهم وأنضج الدراسات التي أرست أسسًا هامة، ووضعت مبادئ صالحة على مرِّ السنين.

يُعدُّ ابن سحنون من أبرز أعلام التربية والتعليم الذين كان لهم فضل السبق في التأليف في النظام التربوي الإسلامي ، من أوائل ما أُفرد في أبواب التربية والتعليم، ألّفه في القرن الثالث الهجري، وهو كتاب مختصر مفيد في بابه لكل من اشتغل بالتعليم .

و هذا الكتاب عبارة عن أحاديث وآثار مسندة، ومسائل في أبواب التربية والتعليم كان قد ألقاها على أبيه سنحون المتوفى سنة (ت240هـ)، ولقد أتى كتاب « آداب المعلمين »، على كثير من المسائل المتعلقة بالمعلمين، وما يجب عليهم نحو تعليم الصبيان وتأديبهم حتى يسلموا من تبعات السؤال عمن استرعاهم الله تعالى .

تربية الأطفال في الإسلام

عندما يتحدث البروفيسور سباستيان جونتر، مدير معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة جوتنجن، ورئيس الاتحاد الأوروبي للدراسات العربية والإسلامية، عن علماء المسلمين الأوائل الذين أثروا الفكر التربوي العالمي، تشعر أنه يعرفهم حق المعرفة، يتكلم عنهم بإجلال وتقدير كبيرين، وهم بالنسبة له أصدقاء أو زملاء قرأ كل أبحاثهم، واستفاد منها الكثير.

يقول جونتر: إن محمد ابن سحنون أول عالم مسلم صنَّف دليلًا عمليًا للمعلمين، وكأنه يحفظ كتابه (آداب المعلمين) عن ظهر قلب، ثم ينتقل إلى (كتاب المعلمين) للجاحظ، فيتناوله بالتحليل ويظهر ما فيه من إبداع وفكر سابق لعصره، ثم الفارابي في رسالة (البرهان)، ثم ابن سينا.

وما ذكره من معلومات قيمة حول تربية الأطفال في كتابه (القانون في الطب)، وبعده أبو حامد الغزالي وكتابه (إحياء علوم الدين)، والنصائح التي قدمها للمتعلمين وللمعلمين، ثم يرسم عناصر النظرية الإسلامية في التربية والتعليم والتعلم، ثم يقارن بين المفكرين المسلمين وأعلام التراث التربوي الغربي، مثل المعلم الألماني الشهير إيكهارت مع الغزالي، والهولندي إراسموس والجاحظ، والألماني ميلانشتون والفارابي، والتشيكي كومينيوس وابن سحنون.

مؤلفاته

ترك ابن سحنون تراثًا كبيرًا في مختلف الفنون ومن أهم ما كتَبَه ما يلي:

 • آداب المعلمين.

•  آداب المناظرين.

•  الجامع في فنون العلم والفقه.

•  الرسالة الجنوبية.

•  السير - التاريخ - أجوبة ابن سحنون... وغيرها كثير.

المنهج التربوي عند ابن سحنون

1- يرتكز الزمن الدراسي عند ابن سحنون، في رسالة آداب المتعلمين ،على ثلاثة أزمنة رئيسية :

أ- زمن الحفظ : ويتم داخل الكتاتيب القرآنية التي أسسها الفاتحون، كموسى بن نصير، وعقبة بن نافع، ومن سار على نهجهم، كإسماعيل بن أبي مهاجر… ويشمل التدريس بها حفظ القرآن الكريم، وتعلم قراءته، برواية نافع وكتابته خطا ،ورسمه بالشكل ،وإتقان الهجاء، ونهى عن التغني بالقرآن ،وتلحينه ، يقول /ص/ :” إن الله تعالى يحب، أن يقرأ القرآن ،كما أنزل.””اقرأوا القرآن بلحون العرب، وأصواتها ،وإياكم ولحون أهل الكتابين، وأهل الفسق” .

ب- زمن الفهم: ويعتبر زمن التفتح، وتنويع التكوين من خلال تعدد العروض التربوية، كالحساب، والشعر المستحسن غير المائع ، وأخبار العرب وأنسابهم، واللغويات :كالنحو، والغريب، والخط ، وزاد ابن سحنون الخطابة على علماء عصره ،، لتأهيل الطفل منذ حداثة سنه ، وتدريبه على الفصاحة ،والشجاعة الأدبية…

ج- زمن الترويح وتصليب الذات : يسمح ابن سحنون للمتعلمين، بعد بذل الجهد في التحصيل والاكتساب ،باللعب والتريض، في الاستراحة ، وأوقات الفراغ ، والعطل ،لأن الحركات الرياضية تساهم في بناء جسم المتعلم ،وتروح عن نفسه، وتدفع عنها الملل والتعب .يقول ابن سحنون مخاطبا ،أحد المؤدبين :” وما حال صبيانكم في الكتاب ؟ فقلت له : ” ولع كثير باللعب ” فقال : “إن لم يكونوا كذلك، فعلق عليهم التمائم. يريد ألا يكسر الأطفال عن اللعب، إلا المرض.

2- التدرج : يلح ابن سحنون على التدرج في أماكن التعلم ،فالكتاب روض للتربية الأولية ،ومعهد للتعليم الابتدائي ،أما أعمدة المسجد، وحلقاته، وأسطوانات العلم ،فهي مراكز للتفقه ،واستكمال الدراسات العليا، في علوم القرآن، والحديث، وأصول الدين…

3- الإدماج: يمكن الجمع بين الأزمنة الثلاثة، بالتتابع .وكذا الجمع بين معلمين ،في مجلس واحد، والجمع بين علوم القرآن ،وعلوم اللسان…

4-الاختيار: يجوز للمتعلم اختيار السورة، أو الحزب ،الذي يحفظه مؤدب الأطفال ،يتم اختياره وفق معايير دقيقة ، تنبني على الأخلاق كالاستقامة، والعفاف ،والعدالة، والتمكن من علوم القرآن ،واستشهد بقول الشيخ الصالح أبي إسحاق الجبنياني :” لاتعلموا أولادكم إلا عند رجل حسن الدين ،لأن دين الصبي ،على دين معلمه.

ويختم ابن سحنون بنص ينسبه للصحابي، عتبة بن أبي سفيان يوصي فيه مؤدب ابنه :” ياعبد الصمد ليكن أول إصلاحك لولدي، إصلاحك لنفسك فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت ،علمهم كتاب الله ولاتملهم فيه فيتركوه ،وروهم من الحديث أشرفه ،ومن الشعر أعفه ، ولا تنقلهم من علم إلى آخر حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مشغلة في الفهم،وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء، وهددهم في أدبهم دوني ،وكن لهم كالطبيب الذي يعجل بالدواء قبل معرفة الداء، واستزدني بزيادتك إياهم أزدك في بري”. العقد الفريد 1/196 .

5-التكافؤ: يعتبر ابن سحنون من أوائل الفقهاء ،الذين أفتوا بتعليم الفتاة إلى جانب الفتى، ولكن دون اختلاط ، ومن غير أن يتحفظ في المقرر التكميلي : الحساب ،والشعر…وفي هذا دعوة صريحة لترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص، وتحقيق المناصفة بين الجنسين ،بادئا بنفسه ومن ابنته خديجة ،التي بلغت درجة علمية كبرى، إلى جانب الشاعرة مهرية الأغلبية. وقد شاع التعليم بين الفتيات الحرات والجواري، والفقيرات والغنيات ،ودعا إلى العدل، والمساواة بين الجميع. واستشهد بقول لوالد سحنون :” يجب العدل في التعليم ، ولا يفضل فيه بعضهم على بعض، ولو تفاضلوا في الجعل ، إلا أن يبين ذلك لوليه في عقده .”المعيار للونشريسي ج8 ص156.

6- التفرغ : يشترط ابن سحنون في منهجه التربوي على المعلم، أن ينقطع لمهنة التعليم ،ولايحترف غيرها، ويملأ وقت فراغه بما يفيد تلاميذه، ويراقب حركاتهم، وسكناتهم.

7- الحوار والرفق: يقول الشيخ أبو إسحاق الجبنياني :” رحم الله أبا عبد الله محمد بن سحنون ،لو علم الصبيان ، لرفق بالمعلمين .” بالفعل لقد شدد ابن سحنون في رسالته، على الرحمة والرفق بالمعلمين ،لأن ممارسة العنف المادي والرمزي، له تأثير سلبي على التكوين العقلي ،والبناء النفسي لشخصية الطفل : إن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم ،سيما في أصاغر الولد ، لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهرمن المتعلمين، أو المماليك ،أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس انبساطها ،وذهب بنشاطها ، ودعاه إلى الكسل ، وحمل على الكذب والخبث …وفسدت له معاني الإنسانية ،التي له من حيث الاجتماع، والتمدن…بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل، والخلق الجميل … المقدمة لابن خلدون ص 494

لايقل منهج ابن سحنون التربوي، أهمية عن اتجاهات التربية الحديثة ،لايحتاج إلا إلى الانتظام داخل نموذج تدريسي، تتم أجرأته خاصة في التعليم الديني الأصيل، ويستفاد منه في اتجاهات، وشعب التعليم العصري.

- وقد تُوفِّيَ ابن سحنون - رحمه الله - سنة 256 هـ، وقيل لما توفي محمد رثي بثلاثمائة قصيدة .

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية