في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

"المدارس النظامية" أول مدارس عمومية في التاريخ

"المدارس النظامية" أول مدارس عمومية في التاريخ
"المدارس النظامية" أول مدارس عمومية في التاريخ 

"المدارس النظامية" أول مدارس عمومية في التاريخ
اهمية التربية والتعليم

إن للعلم والتعلم والتعليم في دين الإسلام منزلة رفيعة ومكانة عالية ، الدليل على ذلك أول آيات نزلت من القرآن الكريم على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وهي الآيات في صدر سورة العلق ، قال الله عز وجل :

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) [سورة العلق :2- 5]، بُين القرآن في كثير من آياته فضل العلم والعلماء، وجاء في السنة كذلك، وهذا يدل على قدر اهتمام الإسلام بالتعليم.

لم تكن البداية فقط في هذا الكتاب المعجز (القرآن) هي التي تتحدَّث عن العلم وقيمته وأهميته في قوله سبحانه: {اقرأ}، بل كان هذا منهجًا ثابتًا في هذا الدستور الخالد، فلا تكاد تخلو سورة من سوره من الحديث عن العلم، سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وقد كان لذلك كله أثر بعيد المدى في الدولة الإسلاميَّة بعد ذلك، حيث ولَّد نشاطًا علميًّا واسعًا في مختلَف ميادين العلم والمعرفة، نشاطًا لم يعهد له التاريخ مثيلاً، ممَّا جعله يحقِّق ازدهارًا حضاريًّا عظيمًا على أيدي علماء المسلمين وتعتبرالتربية الإسلامية تلك التربية التي أسهم العلماء المسلمون فيها إسهامًا كبيرًا، بأهم وأنضج الدراسات التي أرست أسسًا هامة، ووضعت مبادئ صالحة على مرِّ السنين، ويمدُّ التراث الإنساني بذخيرة علميَّة رائعة، يظلّ العالم بأسره مدينًا لها.

فالعلاّمة محمد ابن سحنون أول عالم مسلم صنَّف دليلًا عمليًا للمعلمين، كتاب (آداب المعلمين) ، و الجاحظ (كتاب المعلمين) ،وما يحويه من إبداع وفكر سابق لعصره، ثم الفارابي في رسالة (البرهان)، ثم ابن سينا وما ذكره من معلومات قيمة حول تربية الأطفال في كتابه (القانون في الطب) .

أول ظهور للمدرسة في الإسلام

كان العلم يدرس في المساجد، ثم انتقل مع اكتظاظ المساجد بطلبة العلم، إلى بعض الدور الأهلية التي عرفت بدور العلم، أول ظهور للمدرسة كان في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين، وهذه المدرسة هي مدرسة الإمام الفقيه الحنفي أبي حفص البخاري «150هـ - 217هـ»، ويبدو من نسبتها إلى مؤسسها أنها قد أُسّست أثناء حياته، وأبو حفص البخاري من الفقهاء الذين تزعموا الحركة الفكرية في مدينة بخارى، ثم نشطت حركة إنشاء المدارس في بلاد المشرق بعد هذا التاريخ؛ فقد تم إنشاء مدرسة بنيسابور منذ بداية القرن الرابع الهجري، أنشأها الإمام الحافظ ابن حبان الشافعي الأشعري (270 – 354هـ).

وقد كانت المدارس التي أُسّست في ذلك الوقت مدارس أحادية المذهب تفردت بتدريس مذهب واحد، ذلك لأن التنافس المذهبي الذي كانت تعيشه بغداد حاضرة الخلافة قد امتد إلى بلاد ما وراء النهر، ومن الجدير بالذكر أن المدارس كانت قد ظهرت في دمشق قبل ظهورها في بغداد؛ فقد تم إنشاء أول مدرسة فيها عام 391هـ، وهذه المدرسة هي المدرسة الصادرية المنسوبة إلى منشئها، صادر بن عبد الله، وتبعه بعد ذلك مقرئ دمشق «رشأ بن نظيف»؛ إذ قام بتأسيس المدرسة الرشائية في حدود الأربعمائة للهجرة، وإلى هذه المدارس خرج الطلبة من الحلق التي كانت تُعقد في المسجد إلى مكان يختص بتلقي علم معين، فيوقف عليهم وعلى شيوخهم المال وتُوفّر لهم أسباب التعليم.

المدارس النظامية أول مدارس عمومية في التاريخ
بدأ التفكير الفعلي في إنشاء المدرسة النظامية، عقب اعتلاء السلطان ألب أرسلان عرش السلاجقة في عام 455هـ، فقد استوزر هذا السلطان رجلًا قديرًا وسنيًا متحمسًا، هو الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الملقب بنظام الملك، فرأى هذا الوزير أنه لتحقيق النهوض والاستقرار المجتمعي لابد من تحقيق نهضة فكرية داخل المجتمع، تصاحبها نهضة سياسية، وأن يعمل على تربية الأمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعقيدة أهل السنة والجماعة المستمدة من الوحي الإلهي.

فبدأ بإنشاء المدارس النظامية التي نسبت إليه؛ لأنه الذي سعى في إنشائها وخطط لها، وأوقف عليها الأوقاف الواسعة، واختار لها الأكفاء من الأساتذة.

فعُرفت بالمدارس النظامية وأكبر هذه المدارس هي المدرسة النظامية التي تأسست في بغداد. وكانت لجهود واهتمام ألب أرسلان ونظام الملك عظيم الأثر في تأسيس المدرسة النظامية ببغداد؛ حيث كانت المدارس النظامية ببغداد مؤسسات تعليمية عظيمة؛ وكانت المدارس النظامية تعتمد اعتماداً كلياً على الأوقاف، ولكنها قد شيدت بأكملها على نفقة الدولة. وكانت المدارس النظامية ببغداد تشترط أن يكون معلموها على المذهب الشافعي، فكانت أول مدرسة في التاريخ تشرف عليها الدولة.

توفير السكن للطلاب

وقد اهتم نظام الملك بتوفير السكن للطلاب داخل هذه المدارس، ويفهم من بعض الروايات التاريخية أن كل طالب كانت له غرفة خاصة به، إذ روي أن واحدًا من طلابها ويدعى يعقوب الخطاط توفي في عام 547هـ، وكانت له غرفة في النظامية، فحضر متولي التركات، وختم على غرفته في المدرسة، كما حرص نظام الملك على توفير الحياة المعيشية الكريمة لطلاب مدارسه، فإنه حرص أيضًا على تهيئة المناخ العلمي الذي يساعدهم على الدراسة والبحث، فاهتم اهتمامًا كبيرًا بتوفير المراجع العلمية داخل هذه المدارس، فكانت في كل مد­رسة مكتبة عامرة يتولى أمرها قوام على شؤونها، وأشار ابن الجوزي إلى أن وقفية نظامية بغداد نصت على أن يكون متولي الكتب بها أيضًا شافعيًا.

إزدهار المدارس النظامية و إنتشارها

لعبت المدارس النظامية قبل تولي نور الدين محمود الحكم دورا كبيرا في حركة الإصلاح والتجديد والتغيير الاجتماعي، وتهيئة الأمة للجهاد في سبيل الله. وعندما جاء نور الدين للحكم، استفاد مما حققته المدارس النظامية، من نتائج باهرة والتي في مقدمتها تخريج جيل يعي حقيقة الصراع والأخطار المحيطة به، من باطنية وصليبية.

وعندما تولى نور الدين محمود حكم حلب خلفا لوالده، استطاع أن يستفيد من خريجي المدارس النظامية، وفتح لهم الأبواب لدعم المذهب السني، ومناهضة الفكر الشيعي الرافضي، وغرس روح الجهاد في النفوس، وصبغ الدولة بالكتاب والسنة، ووضع مشروعًا فكريًا ثقافيًا عقائديًا تربويًا تعليميًا استهدف به رعايا دولته، يقوم على إنشاء المدارس، ونشر التعليم بين الأمة، وقد استعان بخريجي المدارس النظامية لإدارة المدارس التي أنشأها.

لم تقتصر المدارس النظامية على المدن والعواصم الكبرى فقط، بل امتدت وانتشرت انتشارا واسعا، فدخلت الأحياء الشعبية في المدن، ودخلت كل قرية ومضرب وجبل تقريبا، بحيث يمكن القول إنها بلغت المئات؛ لأن الأمر لم يتطلب أكثر من استقرار أحد الخريجين في مسجد من مساجد الريف مثلا، أو الإقامة في رباط أو زاوية وتكريس الوقت للتدريس والتربية. وركزت على تربية العامة من الفلاحين، والأكراد والبدو وعوام الأحياء الشعبية على العقيدة الصحيحة، وغرست فيهم روح الجهاد.

وقد أحصى المؤرخ عز الدين ابن شداد (ت: 684هـ) مدارس حلب في أيامه، فوجدها أربعا وخمسين مدرسة، موزعة بين المذاهب الفقهية الأربعة، وقد انتفع نور الدين بتجربة نظام الملك السابقة عليه واستنسخها في حلب.

زودت هذه المدارس الجهاز الحكومي بالموظفين، ردحًا من الزمن وبخاصة دوائر القضاء والحسبة والاستفتاء، وهي أهم وظائف الدولة في ذلك العصر، وينقل السبكي عن إسحاق الشيرازي -أول مُدرس بنظامية بغداد قوله: "خرجت إلى خراسان فما بلغت بلدة ولا قرية إلا كان قاضيها أو مفتيها أو خطبيها تلميذي أو من أصحابي". وهذا كان سلوك معظم خريجي هذه المدارس.

أصبح الشام في عهد نور الدين والأيوبيين مركزًا لهجرة كثير من العلماء النظاميين، وشارك كثير منهم في الجهود التي قام بها نور الدين وصلاح الدين وهما يعملا على تمكين مذهب أهل السنة.

المدارس النظامية ودورها في انتصار حطين

كان أحد أهم نتائج المدارس النظامية بروز جيل نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبي، هذا الجيل الذي تحققت على يديه منظومة النهضة المجتمعية الشاملة، والتي توجت بانتصار الأمة في معركة حطين.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية