في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

عصر النهظة الاسلامي " محكمة المياه " فالنسيا

عصر النهظة الاسلامي " محكمة المياه " فالنسيا
عصر النهظة الاسلامي " محكمة المياه " فالنسيا

عصر النهظة الاسلامي " محكمة المياه " فالنسيا
العدل في الاسلام

يُعَدُّ العدل من القيم الإنسانية الأساسية التي جاء بها الإسلام، وجعلها من مُقَوِّمَاتِ الحياة الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية، حتى جعل القرآنُ إقامةَ القسط _ أي العدل _ بين الناس هو هدف الرسالات السماوية كلها، فقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَىِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (الحديد:25).، وليس ثمة تنويه بقيمة القسط أو العدل أعظم من أن يكون هو المقصود الأول من إرسال الله تعالى رُسُله، وإنزاله كتبه؛ فبالعدل أُنْزِلَتِ الكتب، وبُعِثَتِ الرسل، وبالعدل قامت السموات والأرض (يوسف القرضاوى ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده ص 133).

يقول الله تعالى: )يَا أيها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ)) النساء:135)، العدل في الإسلام لا يتأثَّر بحُبٍّ أو بُغْضٍ، فلا يُفَرِّقُ بين حَسَب ونَسَب، ولا بين جاهٍ ومالٍ، كما لا يُفَرِّقُ بين مسلم وغير مسلم، بل يتمتَّعُ به جميعُ المقيمين على أرضه من المسلمين وغير المسلمين، مهما كان بين هؤلاء وأولئك من مودَّة أو شنآنٍ.

لذلك فكر الحكام المسلمون منذ الخلافة الراشدة في آليات لمراقبة ميزان العدل و ظبطه بما يقرّه الشرع و يعمم العدل بين الناس؛ في سلسلة عصر النهظة الاسلامي رأينا في قال سابق الحركة الثقافية لمكبة قرطبة، و اليوم سنرى مقياس العدل في الاندلس الاسلامية من خلال محكمة المياه التي أنشأها الخليفة المستنصر .

محكمة المياه (فالنسيا)

كان عهد عبدالرحمن الناصر من أزهى عهود الأندلس، وهو العهد الذي استمر لنصف قرن، إذ تولى الحكم وهو شاب صغير في حدود العشرين سنة, ثم مات وهو في السبعين من عمره (300 – 350 هـ)، واستطاع في عهده أن يغير حال الأندلس من ضعف وتفكك إلى قوة ومجد وازدهار.. فهذا الناصر هو من أطول الملوك حكما في تاريخ المسلمين.

تحولت فالنسيا أو بلنسية التي أنشأها الرومان على ساحل البحر المتوسط في عهد المسلمين إلى أرض الحدائق والجنات، رغم قلة أمطارها، وذلك بأثر مما أبدعه المسلمون من أنظمة الري والتحكم بالمياه، من خلال ما بنوه من سواقي وسدود على نهر توريا الذي يمد المدينة بحاجتها من الماء، وهذه التقنيات التي تركها العرب منذ ألف سنة بلغت من التطور والإبداع حدا عظيما، ويكفي أنها ما تزال هي الأساليب المعتمدة في الزراعة حتى الآن.

أقام الخليفة المستنصر محكمة للمياه وهي كنوع من المحاكم المتخصصة التي تسد حاجة سريعة في تنظيم الماء في بلنسية، وهي تتألف من ثمانية أعضاء يمثلون السواقي الثماني القائمة على نهر توريا في بلنسية وهي: (سواقي قوارت ــ مصلاتة ــ ترمس ــ مستليا ــ فبارة ــ رأس كانيا ــ روبية ــ بيناشيرـ وفيتمار)، فلكل ساقية مستفيدون منها – وهم أصحاب الأراضي الواقعة حولها- وهم ينتخبون فلاحا منهم ليكون قاضيا عليهم، وتكون مدة انتخابه لسنتين أو ثلاث، وحين يجتمع الأعضاء الثمانية يترأسهم الأكبر سنا، ثم يختارون بالانتخاب رئيس المحكمة ونائبه.

تعقد جلسة المحكمة منتصف نهار يوم الخميس من كل أسبوع -مثلما كان ذلك في عهد المسلمين- وفيها يتقدم الشاكي بشكايته ويدافع المتهم عن نفسه، ولا يشترك قاضي هذه الساقية في تداول شأن القضية بل يحكم فيها السبعة الآخرون، وتعد أحكامهم نافذة وغير قابلة للاستئناف أو الطعن أمام أي جهة أخرى، ويقوم بتنفيذها حراس السواقي تحت إشراف قاضي الساقية الذي لم يشترك في القضية، ويعد هو المسؤول عن تنفيذ الأحكام. وحراس السواقي أولئك هم بمثابة الشرطة المتخصصة، إذ بخلاف تنفيذهم للأحكام، فهم أيضا من يبلغون المحكمة بأي تعديات أو مخالفات وقعت في ناحيتهم.

قضاة المحكمة هم من الفلاحين الذين يزرعون الأرض ويتكسبون منها بما يجعلهم متخصصين في هذا المجال، ويعرفون دواخله وتفاصيله وأساليب الحيل والمخادعات فيه، وهم ما زالوا يرتدون الثياب السوداء التي كان يرتديها الفلاحون في بلنسية منذ العهد الإسلامي، ويجلسون على مقاعد جلدية كنحو التي كان يجلس عليها القضاة قديما، وجلسات المحكمة كانت ولا تزال علنية يمكن لأي امرئ، أن يحضرها، كما تعقد المحكمة في ذات الفناء الذي كانت تعقد فيه، غير أنه قديما كان فناء مسجد رحبة القاضي –وهو المسجد الجامع في بلنسية- بينما صار الآن فناء كاتدرائية بلنسية بعد هدم المسجد في زمن إنهاء الوجود الإسلامي في الأندلس.

وتضمن المحكمة استمرار نفسها من خلال التمويل الذاتي، إذ يحصل القضاة على نسبة من رسوم الري، ونسبة من الغرامات التي توقع كعقوبات على المخالفين، وتكفل لهم نفقات تنقلهم.

وما تزال بلنسية تستعمل المقياس العربي «فيلان» في قياس كميات المياه التي تحصل عليها كل ساقية، بحيث ينضبط التوزيع العادل لمياه النهر بحسب كل ساقية والمساحات التي ترويها، والتي تبلغ أكثر من 40 ألف فدان.

محكمة المياه تراث عالمي

احتفلت إسبانيا بمرور ألف عام على إنشائها عام 1961م، وحضر الملك الإسباني خوان كارلوس جلساتها أربع مرات، واعتمدت في الدستور الإسباني 1978م، وصارت جزءا من قانون مقاطعة بلنسية الصادر 1982م، ومن قانون الماء الإسباني الصادر 1985م، وأخيرا فقد سجلتها منظمة اليونسكو ضمن التراث العالمي الذي يجب المحافظة عليه في سبتمبر 2009م.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية