في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

الحسن الوزان (ليون الافريقي)

الحسن الوزان (ليون الافريقي)
الحسن الوزان (ليون الافريقي)

الحسن الوزان (ليون الافريقي)

الحسن بن محمد الوزان والمشهور ب ليون الأفريقي أو يوحنا ليون الأفريقي أو يوحنا الأسد الأفريقي. اشتهر بتأليفه الجغرافي في عصر النهضة، ومن أشهر مؤلفاته "وصف أفريقيا".

حياته

وولد هو بمدينة غرناطة قبيل سقوطها في يد الأسبانيين. يختلف المؤرخون في تحديد سنة ولادته، فيجعلها بعضهم عام 901 هـ / 1495م وبعضهم عام 906 هـ / 1500م. كان والده واحداً من أبرز تجار الزيت في غرناطة. لذالك لُقب الحسن بالزيّاتي نسبة إلى تجارة الزيت وبالفاسي لنزوله وأسرته مدينة فاس وقيل له الشيخ الفاسي لمعرفته الواسعة بأمور الدين.

هاجر الحسن الوزان مع أسرته إلى فاس إثر سقوط مدينة غرناطة سنة 1492م وهو يزال طفلاً ابن ثلاث سنين بعدما أصدر ملك إسـبانية فرديناند مرسـوماً عرف بمرسـوم 3 أيار 1492 تمّ بموجبه طرد الكثيرين من العرب واليهود إلى خارج المدن الإسبانية لأنهم خيّروا ما بين الطرد والتنصير ففضلوا الأولى وخرجوا من بلاد الأندلس.

تألقه

ستقرت أسرة الزياتي في مدينة فاس المغربية كما ذكرنا ، وهناك نشأ الوزان الابن نشأة إسلامية فتثقف بعلوم الدين الإسلامي حتى أجادها، وقد صار، على حداثة سنه، خطيباً في أحد مساجد مدينة فاس. وقد تعلم اللغة العبرية عن طريق أمه اليهودية التي أسلمت ليلة زفافها فأجادها إجادة تامة، كما تعلم العربية عن طريق معارف أبيه فأتقن قواعدها وأساليبها.

عُرف حسن الوزّان الزياّتي بمحبته للأسفار والتنقل، فقام بأسفار ورحلات كثيرة في البلاد الإفريقية برفقة عمه، وتعلم منها الكثير عن حضارة تلك البلاد وحياة أهلها. رحلته الأولى كانت برفقة عمه وهو ابن ستة عشر عاماً إلى مدينة تمبكتو، وبها بدأ الكتابة ووضع الملاحظات والتوصيفات المعنية بالجوانب الاجتماعية والاقتصادية، والسياسية، والأنتروبولوجية.

إذ تعمق في دراسة الأعراق، والأنساب، وأصول القبائل والعشائر الإفريقية، ورسم المواقع والأمكنة ذات الأهمية والاعتبار، وعاين مجاري المياه والأنهر، وحدّد النقاط التي تمرّ بها وأثرها في حياة الناس. وقد وقع في أغلاط عدة منها قوله إن نهر النيجر يسير نحو الغرب إلى المحيط، كما وصف الحروب التي كانت فاشية في إفريقيا آنذاك خصوصاً حروب القبائل المالية نسبة إلى مالي.

ويلخص ابن الوزان أحوال حكام وشعوب افريقيا جنوب الصحراء بقوله: «إن حكام هذه الممالك وسكانها على قدر كبير من الثراء والنشاط وهم يشغفون بإقامة العدالة، ولو أن منهم طوائف تحيا نوعا من الحياة الهمجية». عمل في بلاط سلطان فاس محمد الوطاسي المعروف بالبرتغالي، وكلفه السلطان بمهام وسفارات إلى مناطق متعددة وأقطار مختلفة، إضافة إلى مرافقته لأبيه المكلف بجمع ضرائب السلطنة بجبال الريف والأطلس المتوسط.

وفي تلك الفترة اشتدت هجمات البرتغاليين على الشواطئ والموانىء المغربية المطلة على الاطلسي، وفي سنة 1508م كان الحسن في خدمة محمد الوطاسي سلطان فاس، عندما سار بحملته لتحرير بلدة أصيلة التي استولى عليها البرتغاليون، وقد كادت تسقط في أيدي المغاربة لولا أن تداركت نجدة قوية بعث بها ملك قشتالة إلى البرتغاليين.

رحلاته إلى المشرق

واتجه الحسن بعد ذلك إلى القيام بطائفة من الرحلات المشرقية. ولا تعرف الدوافع التي حملته على القيام بهذه الرحلات. لكنه حسبما ذكر في كتابه، فقد كان في البداية يرافق التجار، ويقوم لهم بأعمال التوثيق والمحاسبة، وأشار إلى انه جرب العمل بالتجارة لحسابه الخاص خلال رحلته الأولى إلى مصر، حيث قام في ساحل ليبيا بشراء بعض الأغنام والزبد، ولما أراد شحنها بطريق البحر إلى مصر، اضطر إلى الفرار خشية مفاجأة القراصنة الفرنج، وقد قام بتلك الرحلات بين سنتي 1515 و1520م.

ويذكر انه في عام 1516 زار مصر لأول مرة، ثم زارها بعد ذلك مرتين أخريين عقب سقوطها بيد الاتراك سنة 1517م، يصف برنامج رحلته إلى مصر ومن بعدها في قوله، أنه بعد أن زار القاهرة سافر مع البحارة بطريق النيل حتى أصوان (أسوان)، ثم ارتد بطريق النيل أيضا إلى قنا (صعيد مصر)، وسار منها إلى الصحراء الشرقية، ثم عبر البحر الأحمر إلى ميناء ينبع ثغر المدينة، ثم إلى مدينة جدة. واخترق صحراء العرب حتى بلاد فارس وزار تبريز، ثم سار شمالا إلى بلاد أرمينيا.

ويستخلص مما يذكره الحسن أو «ليون الأفريقي»، أنه قام برحلتين إلى اسطنبول، الأولى في أواخر سنة 1515 أو أوائل سنة 1516 والثانية في أوائل سنة 1520م، وبذلك اشتهر بأنه واحد من أهم الرحالة العالميين.

كتابه (وصف افريقيا)

وصف فيه الحسن الوزان المدن والقرى التي دخلها او مر بها الوزان من العام (915 هـ = 1509 م) حتى عام (926 هـ= 1520م)، «وصف أفريقيا» أولا بالعربية، وقد كان هذا النص العربي معروفاً وموجودا حتى أواخر القرن السادس عشر في مكتبة بنيللي الإيطالية. ولم يصل إلينا سوى الترجمة الإيطالية التي قام بها ليون نفسه لكتابه، وفي نهايتها أن المؤلف أتم كتابه في روما في العاشر من مارس سنة 1556، ثم نـُشر بعد ذلك مرارا ثم تـُرجم إلى الفرنسية سنة 1556 وإلى اللاتينية سنة 1556 و1559 وإلى الإنكليزية سنة 1600 وإلى الألمانية سنة 1805.

وكتاب «وصف أفريقيا» مؤلف ضخم يقع في ثلاثة مجلدات كبيرة، وينقسم إلى تسعة كتب، ويحتوي على أوصاف مستفيضة للبلاد الواقعة في شمال أفريقيا ووسطها، ومعالمها، وجبالها، وأنهارها، وسهولها، وتاريخها، وأحوالها، ومجتمعها، وعوائد أهلها وعاداتهم.

ويخص بلاد المغرب، وهي التي عاش فيها ليون ودرسها عن كثب، بالنصيب الأوفى. ويخصص لمصر الكتاب الثامن، وهو فصل كبير، وهي التي زارها ثلاث مرات، ويتحدث فيه عن إقليمها ومدنها، ونيلها، ويتوسع في وصف القاهرة، وشوارعها وأبوابها وعادات سكانها، ويتحدث عن نظام الحكم في عهد السلطان المملوكي قانصوة الغوري.

وساهمت المعلومات الكثيفة والتفصيلية التي اوردها في ان تجعل من كتابه وثيقة نفيسة، ومرجعاً من أهم المراجع، عن وصف افريقيا وأحوالها في أوائل القرن السادس عشر الميلادي؛ ونشر في عام 1399 هـ / 1979م على يد د. عبد الرحمن حميدة. وبالاضافة لهذا الكتاب وضع ليون مخطوطة لقاموس لاتيني عربي، ولكنه لم يطبع حتى اليوم، وتوجد نسخته الأصلية، بخط ليون نفسه، في مكتبة دير الأسكوريال الشهيرة في اسبانيا، وفي نهايتها أنه أتمه في يناير سنة 1524. ووضع كذلك رسالة باللاتينية في تراجم الأطباء والفلاسفة العرب، وأتمها في سنة 1527 وقد نشرت هذه الرسالة لأول مرة في سنة 1664 ثم أعيد نشرها في سنة 1746 بمدينة هامبورغ الألمانية. كما ترك مخطوطات منها كتاب موجز للتاريخ الإسلامي يعرض فيه للطبقات الإسلامية، وكتاب آخر في الفقه المالكي.

كتب أمين معلوف رواية ليون الإفريقي بذات القصة وحققت نجاحا منقطع النظير وترجمت إلى لغات عدة وساهمت بشكل كبير في التعريف به واعادة اكتشافه من جديد بعد سنين طويلة من النسيان.

وثائقي بي بي سي عن (ليون الافريقي)

عرضت قناة بي بي سي، في يونيو 2011، فيلما وثائقيا بعنوان "ليون الأفريقي، رجل بين عوالم" Leo Africanus A Man Between Worlds، عرض لحياته منذ طفولته في غرناطة حتى وصوله إلى روما أسيرا مرورا بحياته في فاس ورحلته إلى تمبوكتو واختطافه في البحر المتوسط.

الفيلم كان من إعداد وتقديم بدر الدين الصائغ وإخراج جيريمي جيفس وقد أدى الفنان جهاد الأطرش صوت الحسن الوزان، في النسخة العربية التي عرضت في قناة بي بي سي العربية بعنوان "على خطى ليون الأفريقي" وهو موجود على موقع اليوتيوب.

أسره و ترحيله لروما

في احدى رحلات ابن الوزان ركب البحر من الإسكندرية يريد المغرب، وبينما كانت السفينة في مياه جزيرة جربة، على مقربة من تونس، قام بعض القراصنة الايطاليين، وهم على الأغلب من البنادقة، بمهاجمة السفينة في 18 يونيو 1520 وأُخذ ابن الوزان أسيرا ضمن من أخذوا، و كانت مياه البحر المتوسط في تلك الفترة مسرحاً لهجمات متبادلة بين المسلمين والمسيحيين.

أدرك القراصنة أنهم يحرزون أسيراً غير عادي يمتاز بصفته العلمية، فحملوه إلى روما وقدموه هدية إلى البابا، وهو يومئذ ليون العاشر، أو الكاردينال السابق جيوفاني دي مديتشي، ابن لورنزا أمير فلورنسا، المتحدر من أسرة مديتشي، اذ كان شغوفا بالعلوم والفنون والآداب في ذلك العصر، الذي يعرف بعصر التنوير. وكان الأسرى يومئذ يعتبرون من العبيد ويرسلون للعمل في قصور الأمراء الأوربيين، وبيوت الكبراء والأغنياء.

رأى البابا ليون العاشر في عبده الجديد قيمة علمية خاصة، وهو في نحو الثلاثين من عمره، وتعلم الإيطالية حتى أتقنها، وعلّم العربية لرجال الكنيسة، وقام بإعداد مؤلفاته للطباعة، ولشدة إعجاب البابا به، أطلق عليه اسم ليون هدية من الكنيسة، فصار يعرف بـ «ليون الإفريقي» "leo africanus" فهو على قدر عال من المعرفة والعلم، عارف بدروب المشرق، خبير بافريقيا، سابر لأغوار ممالكها، يحمل كتابا من تأليفه، يصف فيه افريقيا، فبادر بعتقه، وشمله بعطفه ورعايته، وقرر له معاشاً سخياً حتى لا يفكر في الهرب .

قيمة مؤلفاته العلمية

إن قيمة مؤلفات الوزان التي لم يعرفها العرب أو الأفارقة إلا مع سبعينيات هذا القرن، كانت مقتصرة على الغرب فقط لأنها فتحت أمامه بوابة إفريقيا الواسعة، فمعجمه العربي - العبري - اللاتيني وكتابه «وصف إفريقيا» مهدا السبيل لدراسة الواقعين العربي والإفريقي ابتداءً من القرن السادس عشر،

وقد وظّفت تلك الدراسة لأغراض استعمارية، ظهرت نتائجها فيما بعد، من ذلك على سبيل المثال المعرفة الوافية الضافية التي امتلكها الغرب بطباع العرب في مصر أيام حملة نابليون على مصر في القرن التاسع عشر، تلك المعرفة التي أذهلت مثقفي مصر وحكامها وطبقاتها الاجتماعية على مختلف

مستوياتها، والتي أخذها الغرب من توصيفات حسن الوزان وأخباره عن مصر وأهلها. وقد ترجم كتاب حسن الوزان «وصف إفريقيا» إلى العربية في المغرب العربي في السنوا الأخيرة.

نهايته

عاش في روما عشرين عاماً، ثم رجع إلى تونس حيث توفي. وتذكر بعض الروايات أنه مات على الإسلام. دون أن يشتهر في الجانب الإسلامي كشهرته في الغرب.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية