في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

عصر النهضة الاسلامي "مكتبة قرطبة"

عصر النهضة الاسلامي "مكتبة قرطبة"
عصر النهضة الاسلامي "مكتبة قرطبة"

عصر النهضة الاسلامي "مكتبة قرطبة"

النهضة العلمية في الأندلس الاسلامية

لاشك في الأهمية البالغة التي تمثلها أسبانيا في تاريخ الحضارة الإسلامية وفي التاريخ الحضاري الإسلامي بشكل عام. ذلك أن الدعوة الإسلامية قد انطلقت من شبه الجزيرة العربية في رحلة طويلة، امتدت شرقًا إلى بلاد فارس وبلاد ما بين النهرين وغربًا لتشمل ممالك دولة الروم، ولتدخل إلى شمال أفريقيا وأوروبا عن طريق الأندلس لتُنير الطريق أمام أمم وشعوب كانت غافلة، تعرفهم بالله وبرسالته وتعلمهم التمييز بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام عملاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَـٰـتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ الإسراء: آية 9.

دخلت الحضارة الإسلامية بلاد الأندلس وعاشت هناك تسعة قرون كاملة، استطاعت خلالها أن تنشر نور العلم والدين والهداية في كلّ أوروبا، وصارت الأندلس بكاملها مدرسةً للعلم والفكر والثقافة، نهل منها الأوروبيون وتشكلت مدارس لها خصائصها في الفنون والعلوم والآداب ومختلف ألوان الحضارة بوجهيها المادي والمعنوي، وكانت بلا جدال، أساس النهضة الأوروبية الحديثة .

شغف الاندلس في العلوم

امتازت الحضارة الاسلامية في الأندلس بميلها الشديد إلى العناية بالآداب والعلوم والفنون، فأنشأوا المدارس والمكتبات في كل ناحية وترجموا الكتب المختلفة، ودرسوا العلوم الرياضية والفلكية والطبيعية والكيمياوية والطبية بنجاح ولم يكن نشاطهم في الصناعة والتجارة أقل من ذلك، فكانوا يصدرون منتجات المناجم ومعامل الأسلحة، ومصانع النسائج، والجلود والسكر وبرعوا في الزراعة براعتهم في العلوم والصناعات، ولا يوجد في الأندلس من أعمال الري خلا ما أتمه العرب، وأدخلوا إلى حقول الأندلس زراعة قصب السكر والأرز والقطن والموز و الرما ن فكانت الريادة الاسلامية في علوم الفلاحة .

نشر الكتب في الا ندلس

برع الأندلسيون في فنون و علوم كثيرة غير الزراعة، وشغفوا بكل تليد وطارف، ومع إنتاج الورق بدأت المرحلة الذهبية للكتاب الإسلامي، فقد ازداد عدد المخطوطات كثيرًا وأخذ التنافس يشمل الخلفاء والوزراء والأغنياء على اقتناء الكتب الغالية والنادرة، وأصبح الخطاطون موضع البحث والتقدير بينما كان الكبار منهم يُغمرون بالتواصي والهدايا القيمة، وكان الكثير من الخطاطين يعملون في المكتبات حيث ينسخون هناك المؤلفات لحساب تلك المكتبات، بينما كان كبار الخطاطين يعيشون في قصور الخلفاء حيث ينسخون المؤلفات الغالية للمكتبات الخاصة، وإلى جانب هؤلاء كان هناك خطاطون يعيشون فقط من عملهم، أي يعملون حسب الطلب.

المكتبة الأموية في الأندلس

بدأ المؤرخون يُشيرون إلى المكتبة الأموية كواحدة من أشهر مكتبات قرطبة، واشتهر عبد الرحمن الناصر (ت:350هـ) بحب الكتب، والشغف بها، ولقد كان يعمل في مكتبة القصر دون توقف، أمهر المجلِّدين في الأندلس، إلى جانب آخرين جيء بهم من صقلية وبغداد، ومعهم جمهرة من الرسامين والمزوقين والمنمقين، فكانوا يزخرفون الكتب بالزخارف الجميلة، بعد أن نسخها أدق الخطاطين لتقديمها إلى لجنة من كبار العلماء تقوم بمعارضتها وتصحيحها، وتدفع لهم الدولة مرتباتهم في سخاء.

علماء في مكتبة قرطبة

ذكر المؤرخ ابن الفرضي طائفة من هؤلاء العلماء ممن كانت مهمتهم تنحصر في مراجعة الكتب ومعارضتها وتصحيحها في المكتبة الأموية في قرطبة والزهراء، منهم الرباجي محمد بن يحيى الأزدي، قال عنه ابن الفرضي: "كان: فَقِيهاً، إماماً، موثوقاً أخذ كتاب: سيبويه رواية عن ابن النَّحاس، وكان جَيّد النظر، دقيق الاسْتِنْبَاط، حاذقاً بالقياس. نظر الناس عنده في الإعراب، وأدَّب عند الملوك، وَاسْتَأدَبه أمير المؤمنين الناصر رضي الله عنه لابنه المِغيرة، ثم صار إلى خدمة المُستَنْصِر بالله في مقابلة الكتب وتوسع له في الجراية. وكان: رجُلاً صَالِحاً متديناً. و تُوفِّي رحمه الله: في شهر رمضَان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة".

وكان من بين هؤلاء المعارضين والمصححين الأديب اللغوي محمد بن الحسين الفهري القرطبي، وهو ناسخ ووراق، وقد تقدم أقرانه في حفظ الأدب والعلم باللغات، وقد استعمله الحكم المستنصر في مهمة علمية لمكتبته؛ فقد "تولى مع رفيقه محمد بن معمر الجياني نسخ مالم يهذبه أبو علي القالي من تأليفه الذي سماه: البارع وتهذيبه مع أصوله التي بخطه وخطهما عما كتب بين يديه، وكان هو قد عمل فيه من سنة خمسين إلى أن توفي لسبع خلون من جمادى الأولى سنة خمس وخمسين (وثلاثمائة)،

ومن الغريب والطريف أن الدولة في تلك المرحلة المبكرة في منتصف القرن الرابع الهجري كانت تستعين بالنساء في النسخ والتخطيط في المكتبات والخزائن العامة، فقد كانت بعضهن مشتهرات بحذق هذه الصنعة ، فعلى سبيل المثال اشتهرت الخطاطة الأندلسية لُبنى، وكانت كاتبة للخليفة الحكم المستنصر (ت: 366هـ)، قال عنها ابن بشكوال: "كانت حاذقة بالكتابة، نحوية شاعرة، بصيرة بالحساب، مشاركة في العلم، لم يكن في قصرهم أنبل منها، وكانت عروضية، خطاطة جداً. وتوفيت سنة أربع وسبعين وثلاث مائة" .

وكذالك "مزنة، كاتبة الخليفة الناصر لدين الله. كانت حاذقة في أخط النساء، توفيت سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة" ، وهناك فاطمة بنت زكرياء بن عبد الله الكاتب المعروف بالشبلاري، فهي كاتبة ابنة كاتب، قال عنها ابن بشكوال: "كانت كاتبة جذلة متخلصة عمرت عمراً كثيراً واستكملت أربعاً وتسعين سنة تكتب على ذلك الكتب الطوال، وتجيد الخط، وتحسن القول. ذكرها ابن حيان وقال: توفيت سلخ جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وأربع مائة. ودفنت بمقبرة أم سلمة وشهدها جمع الناس ماتت بكراً رحمها الله".

يصف لنا العلامة ابن حزم (ت: 456هـ) ضخامة المكتبة الأموية، بحديثه الذي أجراه مع القائم بأعمالها في عهد الحكم المستنصر ويُدعى تليد الفتى، قال ابن حزم: "وأخبرني تليد الفتى -وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس- أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط" . أي أن عدد فهارس المكتبة الأموية كان 2200 ورقة فيها أسماء المؤلفات فقط، وهذا دليل على ضخامة تلك المكتبة الملكية التي يمكن تقدير عدد الكتب بها بأكثر من 100 ألف كتاب.

لقد كان تشجيع الناصر الأموي (ت: 350هـ) ومن بعده ابنه الحكم المستنصر (ت: 366هـ) للعلماء والأدباء والفقهاء من كل المشارب والمدارس، كان له دوره في تضخيم المكتبة الأموية بصورة جعلتها أعظم المكتبات في العالم في ذلك الوقت، فقد كان للحكم المستنصر "ورَّاقون بأقطار البلاد ينتخبون له غرائب التواليف، ورجال يوجههم إلى الآفاق عنها.

ومن وراقيه ببغداد محمد بن طرخان، ومن أهل المشرق والأندلس جماعة. وكان مع هذا كثير التهمّم بكتبه والتصحيح لها والمطالعة لفوائدها، وقلما تجد له كتاباً كان في خزانته إلا وله فيه قراءة ونظر من أي فن كان من فنون العلم: يقرؤه ويكتب فيه بخطه - إما في أوله أو آخره أو في تضاعيفه- نسب المؤلف ومولده ووفاته والتعريف به، ويذكر أنساب الرواة له، ويأتي من ذلك بغرائب لا تكاد توجد إلا عنده، لكثرة مطالعته وعنايته بهذا الفن. وكان موثوقاً به مأموناً عليه. صار كل ما كتبه حجة عند شيوخ الأندلسيين وأئمهم، ينقلونه من خطه ويحاضرون به.

وصف مكتبة قرطبة

يصف لنا العلامة ابن حزم (ت: 456هـ) ضخامة المكتبة الأموية، بحديثه الذي أجراه مع القائم بأعمالها في عهد الحكم المستنصر ويُدعى تليد الفتى، قال ابن حزم: "وأخبرني تليد الفتى -وكان على خزانة العلوم بقصر بني مروان بالأندلس- أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة، ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط" . أي أن عدد فهارس المكتبة الأموية كان 2200 ورقة فيها أسماء المؤلفات فقط، وهذا دليل على ضخامة تلك المكتبة الملكية التي يمكن تقدير عدد الكتب بها بأكثر من 100 ألف كتاب.

ووصف ا لمستشرق الإسباني خوليان ريبيرا الحالة النشطة في طلب الكتب والعناية بها، حين قال: "لم تكد الحركة الثقافية تأخذُ طريقها بين الإسبان المسلمين حتى أصبح الكتاب موضع التقدير والإعجاب، ويكفي أي عائد من رحلة إلى المشرق أن يحمل معه كتاباً جديدًا، حتى يُصبح مناط الإعجاب والحفاوة من مواطنيه، ومع الكتاب يأخذ اسمه طريقه إلى مدونات الأدب والتاريخ، وأغلى الجواهر ثمنًا، وأعظمها قيمة، كتاب نادر يستطيع التاجر الماهر أن يأتي به من المشرق إلى إسبانيا، وكان المسلمون من أصل إسباني أو وافدين، واليهود والمسيحيون والموالي يتنافسون في أن تكون لهم مكتبات خاصة وغنية، ولم يَبقَ الأمويون في آخر الصف بالنسبة لهذه الحركة، فأخذوا منذ البدء يجمعون من الكتب مجموعات كبيرة، وبلغت قمَّتها في حياة الحكم الثاني، عاشق الكتب، وأكثر أمراء بني أمية غرامًا بها، وأصبحت قرطبة مدينة الفكر، والعقل المدبِّر لكل الغرب الإسلامي".

نهضة فكرية أنارت العالم

كان في الأندلس الإسلامية سبعون مكتبة عامة، وكان الأغنياء يتباهون بكتبهم المجلدة بالجلد القرطبي، ومحبو الكتب يجمعون النادر المزخرف منها، وقد ذكر المؤرخ ابن الفرضي طائفة من العلماء ممن كانت مهمتهم تنحصر في مراجعة الكتب ومعارضتها وتصحيحها في المكتبة الأموية في قرطبة والزهراء، منهم الرباجي محمد بن يحيى الأزدي، قال عنه ابن الفرضي: "كان: فَقِيها، إماما، موثوقا أخذ كتاب: سيبويه رواية عن ابن النّحاس، وكان جَيّد النظر، دقيق الاسْتِنْبَاط، حاذقا بالقياس. نظر النّاس عنده في الإعراب، وأدَّب عند الملوك، وَاسْتَأدَبه أمير المؤمنين الناصر رضي الله عنه لابنه المِغيرة، ثم صار إلى خدمة المُستَنْصِر بالله في مقابلة الكتب وتوسع له في الجراية. وكان: رجُلاً صَالِحاً متديناً. و تُوفِّي (رحمه الله): في شهر رمضَان سنة ثمان وخمسين وثلاث مائة".

اشتُهرت بعض المدن الأندلسية بنشر الكتب، حتى صارت مثلاً سائرًا بين العلماء في مُناظراتهم، فقد نقل المقري عن ابن سعيد المراكشي أنه قال: "جرت مناظرة بين يدي منصور بن عبد المؤمن بين الفقيه العالم أبي الوليد بن رشد والرئيس أبي بكر بن زُهر، فقال ابن رشد لابن زهر في كلامه: ما أدري ما تقول، غير أنّه إذا مات عالم بإشبيلية فأريد بيع كتبه حمُلت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مُطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حُملت إلى إشبيلية".

قوانين للنشر و حقوق للتأليف

عملية التأليف كان يشرف عليها العلماء والفقهاء والقضاة ورجال الحديث والعلماء التجريبون والفلاسفة، كما اشترك فيها بعض العمال والولاة، وتفاوت حجم التأليف من كاتب لآخر، فقد ذكر المقري أن كتاب "السماء والعالم" الذي ألفه أحمد بن أبان (ت382هـ) صاحب شرطة قرطبة كان يقع في مائة مجلد، وقد رأى بعضه المقري بفاس. كذلك ألف المظفر بن الأفطس (ت460هـ) – أحد ملوك الطوائف في الأندلس – الكتاب المظفري في خمسين مجلدا، يشتمل على كل ما يختص به علم الأدب، واشتُهر المظفر هذا، بأنه كان "أديب ملوك عصره غير مدافع ولا منازع، وله التصنيف الرائق، والتأليف الفائق"، وقد اشتمل كتاب "المظفري" على فنون وعلوم من مغازٍ وسير ومثل وخبر وجميع ما يختص به علم الأدب، أبقاه للناس.

ومما يلفت الانتباه أنه لم يكن يُسمح بنشر الكتب في الأندلس قبل التصريح بنشره، فقد كان يُقرأ أولا للجمهور من قبل المؤلف نفسه، ثم يقرأ علناً ثلاث مرات أخرى بصيغ متفاوتة من قبل نسّاخ بحضور المؤلف، وفي هذه الأثناء تجري التعديلات والإضافات اللازمة بإملائها على المستملي الذي يُعيد قراءة الصيغة الجديدة على المؤلف، وأخيراً يبلغ الكتاب أجله وصيغته النهائية بقراءته عاليًا على المؤلف بحضور الناس، ثم يعطى المؤلف ترخيص إجازته لهذه الصيغة للنشر.

وكان يُسمى ترخيص الكتاب "إجازة"، وتعني جعله شرعيًا، وكان المؤلف يضع إجازته على النُّسخ التي صادق عليها، وهي ترمز إلى أنه سمح بنقل الأثر (الأدبي والعلمي) منه بالشكل المصادق عليه، وهو تعبير يتكرر، وكان من المهم الحصول على الإجازة من المؤلف مباشرة، مع عبارة سماعًا عنه، أي بعد أن سمع المؤلف قراءتها، ومن ثم لم يكن الناسخ (الناشر) يستطيع أن يتجاوز حدوده في نشر أي كتاب دون موافقة كتابية صريحة من المؤلف، أي إعطاء الناشر "أمر نسخ"، أو "أمر طبع" أو حق النشر بمصطلحات العصر الحديث، أو حق الطبع كما يُسمى في عصرنا الحاضر "copyright"، وهذا وذاك لا يتحققا إلا بعد مراجعة النص المعد للنسخ "النشر" مراجعة دقيقة، مع الأصل الذي هو في فكر المؤلف كما أملاه للتحقيق من صحته.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية