في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي

أهمية الأوقاف في المجتمع الإسلامي
 أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي


 أهمية الوقف في المجتمع الإسلامي

مما لا شك فيه أن الأوقاف  الاسلامية تعتبر خاصية من خصائص المجتمع الإسلامي ومن أهمّ نظمه في تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، والمساهمة بشكل فعال في الحياة العلمية والعملية لعامّة المجتمع.

فلذلك اهتم بها العلماء والفقهاء ووضعوا لها الأحكام و الضوابط التي تضبط معاملاتها بهدف المحافظة على أموالها وتنميتها واستمرارية تقديم منافعها إلى المستفيدين ، ووضع الضوابط و الأحكام لحماية هذه الأوقاف وحفظها من طمع الطامعين ، فلذلك نمت أحكام الوقف ورسخت قواعده، وصارت متكاملة الجوانب.

للأوقاف دوراً وعملاً مميزاً وعظيم في بناء قاعدة التكافل الإجتماعي التي تعتبرركيزة هامّة في تنمية المجتمع الإسلامي المهتدي بالقرآن الكريم والسنة النبوية ،فقد حثَّ و شجّع القرآن الكريم في آيات كثيرة على فعل الخير، والإحسان، وهذا ما يعنيه ويهدف إليه الوقف، ولقد اتفق جمهور علماء السلف على جواز الوقف وصحته بناء على أدلة من القرآن الكريم في آيات عدة علي فعل الخير والبر والإحسان وهو ما يرمي إليه الوقف ومن الآيات الكريمة الدالة على استحسان الوقف ما يلي:

- { وافعلوا الخير لعلكم تفلحون }[الحج، 77].

- { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }[آل عمران، 92].

- { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة }[المائدة، 35].

- { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون }[البقرة، 280].

هذه الآيات العظيمة وغيرها من القرآن الكريم أكبر دليـل على مشروعية الأوقاف في الحياة الإسلامية وأهمية هذه المؤسسة ذات النفع العام والخاص بين فئات الأمة والتي عرفت بالأحباس أو الأوقاف ثم وزارة الأوقاف في الوقت الحاضر.

وفي الحديث (( أنه صلى الله عليه وسلم قال لبني النجار في الحائط الذي بنى مسجده فيه: يا بني النجار هل تأمنوني بحائطكم هذا فقالوا: لا، والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله )) رواه البخاري بهامش فتح الباري ج5، ص263.

الدور الاجتماعي للأوقاف في الحضارة الإسلامية


تتمثَّل أهمية الوقف في الجانب الاجتماعي في إنفاق وتمويل المشروعات الخيرية ذات الطابع الإنساني و النفع العام، فقد ساهمت الأوقاف باعتبارها صدقةً جاريةً في تنمية الرعاية الاجتماعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، فلم يَخْلُ بلد إسلامي في عصر من عصور الإسلام، من إنجاز مشاريع لكفالة المُعْوِزين والمحتاجين، فكانت المبادرات الجماعية والفردية من ميسوري الناس، المبادرات الرسمية للخلفاء والولاة والأُمراء.

و كمثال لدور مؤسسة الأوقاف في الشأن الإجتماعي هناك الأوقاف الخاصة بقضاء ديون الغُرماء المُعسرين؛ مثل: أوقاف السلطان "أبو عنان المريني"؛ حيث التزَم بأداء ديون المعسرين المسجونين من ماله الخاص بسائر الجهات المغربية، وإطلاق سراحهم، وقضاء ديون مَن توفِّي وعليه ديْن من الديون من بيت المال.

الأوقاف الخاصة بتوفير المياه، وحفْر الآبار، والعيون وتحبيسها، وإقامة السقايات المُسبلة، ومدِّ القنوات لنقْل المياه من منابعها إلى أماكن استعمالها، وتجهيز المدن بالمياه، ودور الوضوء والحمامات وغيرها، وقد ذكَر الشيخ محمد المكي الناصري أن الحمامات يرجع أكبر عددٍ منها في المدن المغربية إلى الأحباس؛ لأن المُحبسين كانوا يَعتبرونها مراكز للطهارة الإسلامية، فكانت أَكْرِيَتُها منخفضة، وأُجْرة الاستحمام بها رخيصةً.

و كان الوقف يُخصَّص لإقامة دور للشيوخ العجَزة، ولتعريس المُستضعفين من الرجال والنساء المكفوفين، ولمن يريد إقامة ولائم الأعراس من المتوسطين والضِّعاف ، و إهتم الوقف الاسلامي بالنساء و المرضعات منهنّ فقد كان في عهد السلطان "صلاح الدين الأيوبي" خُصِّص وقفًا لإمداد الأُمهات بالحليب اللازم لأطفالهن، وجُعِل في أحد أبواب قلعة دمشق ميزاب يَسيل منه الحليب، وميزاب آخر يسيل منه الماء المذاب بالسكر، فكانت تأتي الأمهات يومين من كلِّ أسبوع، يأخُذْنَ لأطفالهنَّ ما يحتاجون إليه من الحليب والسكر.

كما ساهَمت الأوقاف الاسلامية في تقديم خد مات اجتماعية كتغسيل فقراء المسلمين، وتكفينهم، ودفْنهم، وصُنْع التوابيت لنقْل الموتى، ففي العصر المملوكي خصَّص سلاطين المماليك أوقافا لإنشاء المصليات وتجديدها؛ لتغسيل الأموات والصلاة عليهم، و من أشهر هذه الأوقاف: "وقف الطرحاء"، الذي أنشأه السلطان الظاهر بيبرس.

الوقف والرعاية الصحية


اهتمَّ الوقف الإسلامي برعاية المسلم إجتماعيا و صحيا ، وخصَّص أغنياء المسلمين الأحباس الواسعة لإنشاء المستشفيات، وكليات الطب التعليمية، وتطوير الطب والصيدلة والعلوم المرتبطة بها، والإنفاق على تأليف كُتب الصيدلة والطب؛ ككتاب "الكليات في الطب"؛ لابن رشد، كما أوقَفوا الأوقاف الكاملة للمجمعات الصحية التي عُرِفت باسم: "دُور الشفاء"، و"دُور العافية"، وبناء مواقع طبية متكاملة الخِدمات والمرافق؛ لتقوم بمهامِّها على أحسن وجهٍ .

كان أول مستشفى كبير في تاريخ الحضارة الإسلامية هو البيمارستان الذي أمر ببنائه هارون الرشيد (170هـ - 193هـ) في بغداد، ومن المستشفيات التي أقيمت ببغداد مستشفى السيدة أم الخليفة المقتدر بالله، ويسمى مستشفى السيدة، افتتح في اليوم الأول من محرم 203هـ، كما أقام المقتدر مستشفى آخر ببغداد، وسمي المستشفى المقتدري، وتعددت المستشفيات الكبيرة وانتشرت حتى كان ببغداد وحدها في مطلع القرن الرابع خمسة مستشفيات .

وأنشأ الملك قلاوون بمصرمستشفى كبير ، وجعله وقفا لعلاج مرضى المسلمين، قال عنه ابن بطوطة: "يعجز الوصف عن محاسنه، وقد أعد فيه من الأدوية والمرافق الخدمية ما لا يحصى"، وكثرت المستشفيات والمنشآت الصحية بمدن الأندلس، ذكر بعض الباحثين أن مدينة قرطبة كان بها خمسون مستشفى، وقفها وأنفق عليها الخلفاء والأمراء والأغنياء .

وفي المغرب الأقصى، أقيمت مستشفيات كبيرة في أهم المدن وتحدث عنها المؤرخون بإسهاب، من أهمها مستشفى سيدي فرج بفاس أسسه السلطان يوسف بن يعقوب المريني ووقف عليه عقارات كثيرة برسم النفقة عليه والعناية بالمرضى.

ومن طريف ما ذكره المؤرخون أن جزءا من أوقافه كان مخصصا لعلاج طير اللقلاق، وجزءا للموسيقيين الذين يزورونه مرة كل أسبوع للترفيه عن المرضى، ويذكر المؤرخون مستشفى آخر بمدينة مراكش أنشأه المنصور الموحدي .

وكان للأوقاف أثر حميد على النهوض بعلوم الطب و تدريسه ، لأن دور المستشفيات التي ينفق عليها من الأوقاف لم يكن يقتصر على تقديم العلاج، بل يتعدى ذلك إلى تدريس الطب، وكانت تخصص قاعات داخل المستشفيات الكبيرة للدروس والمحاضرات.

الأوقاف وبناء المساجد

ارتبَط نظام الوقف الإسلامي بإنشاء المساجد وتعميرها، ونجد أن أول وقْفٍ في الإسلام هو المسجد الذي بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند دخوله المدينة، وهو مسجد قُباء، الذي بدأ فيه المسلمون تعلُّم القرآن، وتعلُّم الكتابة والقراءة؛ لذلك كان الأئمة والفقهاء - على اختلافهم - لا يعارضون وقف المساجد، بل إن الإمام أبا حنيفة كان لا يرى وقفًا لازمًا إلا ما كان مسجدًا.

ولم تقتصر أحباس المسلمين على تقديم الأرض و تمويل بناء المساجد، بل شَمِلت كلَّ ما يتعلق بصيانتها، ودفْع رواتب القائمين على شؤونها، والتشجيع على الإبداع في صُنع أجمل الطُّرز العمرانية، والسجاجيد للصلاة، و تجهيزه بالقناديل، والثُّريَّات الفائقة الجودة التي تُعلَّق في المساجد ؛ لأن المسجد كان هو المدرسة المفتوحة لكافة المسلمين، وتكفَّل المسجد على مرِّ التاريخ الإسلامي بإعداد نماذج إنسانية عالية في الإيمان، والعلم، والآداب والسلوك الحميدة، وما تزال مؤسسة الأوقاف الإسلامية تُساهم في تقوية الشعور الديني و الحفاظ على الهويّة ، عن طريق تشجيع أوقاف المساجد والجوامع في البلاد الإسلامية و إمدادها بكل الوسائل من مصاحف وكوادربشرية مُؤهلة للدعوة و تنوير المجتمع .

قدمت الحضارة الإسلامية للإنسانية ما لم تقدمه حضارة أخرى، من إبداع وابتكار في مجالات الحياة المختلفة، بما يحقق السعادة الكبرى لأبناء المجتمع الواحد، وذلك من خلال التكافل والتكامل بين أفراده، وقد كانت الأوقاف الإسلامية واحدة من تلك الإبداعات الفريدة في تاريخ الإنسانية كلها.

و الرسول صلى الله عليه وسلم أوَّل من أوقف في الإسلام، ثم تبعه الصحابة -غنيُّهم وفقيرهم- في هذا الأمر المهمِّ؛ وما فعلوا ذلك إلاَّ تحقيقًا للغاية التي من أجلها وُجِدَ الوقف؛ ألا وهي ابتغاء وجه الله ورضوانه ، ثم سارت الأُمَّة الإسلاميَّة على درب هؤلاء العظام فكانت الاوقاف على مرِّ العصور من أهم ركائز التنمية الاجتماعية و الحفاظ على الهوية الاسلامية .

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية