في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

علماء المسلمين الإمام المجاهد الكِلاعي

علماء المسلمين الإمام المجاهد الكلاعي
علماء المسلمين الإمام المجاهد الكلاعي

علماء المسلمين الإمام المجاهد الكِلاعي

الإمام العلامة الكبير، والمجاهد العالم الشهيد، أبو الربيع سليمان بن موسى بن سالم الكلاعي البلنسي الاندلسي، برز ، وظهر في عصر العلماء الحافل ، أحص ابن الأبار في "تكملة الصلة" لشيوخ عصرالقرن الممتد من منتصف القرن السادس الهجري إلى منتصف القرن السابع الهجري، نحو 2500، فيم لم يُحص ابن بشكوال في قرن ونصف –منذ أول الخامس حتى منتصف السادس- سوى 1440، وكان ابن الفرضي قد أحصى خلال القرون الأربعة الأولى 1766 رجلا، وهذا مع أن الأندلس كان قد تقصلت أرضه في الزمن الذي رصده ابن الأبار،وروزه هذا في هذا العصر المليء بالعلماء إنما هو دليل إلى مقامه في العلم ورسوخه فيه .

مولده و نشأته


ولد سنة 565هـ في بعض ثغور بَلَنْسِيَة الشرقية بالاندلس، وما لبث أن انتقل به أهله وهو ابن عامين إلى بلنسية، نشأ على حب العلم وارتياد حلقات العلماء. ثم ارتحل سنة 587هـ في طلب العلم في بلاده الأندلس، فزارمَرْسِيَة وإشبيلية وغَرْناطة وشاطِبة ومالَقة… وحصَّل في رحلته هذه مختلف العلوم والفنون، ونال الإجازة من كثير من العلماء والشيوخ.

نُدب الإمام الكلاعي للعمل في ديوان الإنشاء فاعتذر واستعفى، وولي القضاء فعرف بالعدل والاستقامة ، كما ولي الخطابة في جامع بلنسية. وكان إضافة إلى علمه ذا جلالة ونبل ورياسة وفضل، حتى أصبح المتكلمَ عن الملوك في مجالسهم، والمنبئ عنهم لما يريدونه على المنبر في المحافل.

عصرالفتن و ضعف الدولة الموحدية

لم يشهد عصر من عصور الأندلس تضعضعا وتراجعا مثلما شهد في النصف الأول من القرن السابع الهجري، ففي أوله نزلت بالمسلمين هزيمة ساحقة في معركة العقاب عام 609 هـ = 1212م، ثم ما لبثت دولة الموحدين التي كانت تحكم المغرب والأندلس أن خارت قواها وضعفت وتغلغل فيها الوهن والضعف نتيجة إنقسام أمرائها و إنقلاب بعضعهم على بعض طمعا في الحكم، وكان من آثار هذا الضعف أن تساقطت ممالك الأندلس وحواضرها سريعا كأنها حبات عقد انفرط.

ففي سنة 623 هـ سقطت بياسة، ثم جزيرة ميورقة وبطليوس وسنة (627هـ)، وماردة سنة (628هـ)، وأبدة سنة (630هـ)، واستجة والمدورسنة (633هـ)، وفي نفس العام سقطت قرطبة عاصمة الإسلام ودرة مدن أوروبا الوسيطة، وبلنسية سنة (636هـ)، ومرسية وشلب سنة (640هـ)، ودانية ولقنت سنة (641هـ)، وأريولة وقرطاجنة وجيان سنة (643هـ)، وشاطبة سنة (644هـ)، وإشبيلية سنة (646هـ)، وشنتمرية الغرب سنة (647هـ)... وغيرها من المدن .

وقعت مملكتي قشتالة وليون من ناحية، ومملكة أرجون من ناحية أخرى اتفاقية "المرسى Almirza" فيما بينهما (642هـ = 1244م)، وهي تشبه كثيرا اتفاقية سايكس بيكو المشهورة، إذ اتفقا على حدود توسع كل منهما في البلاد الأندلسية التي تتأهب للسقوط ورسم حدود جديدة مبنية على الواقع الجديد وتقسيم الاندلس بينهما.

كان بالأندلس أربعة أمراء من البيت الموحدي على الحكم، ؛ أبو محمد عبد الله في مرسية، وأخوه أبو العلا إدريس في قرطبة، وابن عمهما أبو زيد عبد الرحمن على بلنسية، ثم أخوه أي أخي أبي زيدعبد الله البَيَّاسي على إشبيلية. وكلا هذين الأخيرين سيكون لهما قصة مخزية.

ثار أبو محمد عبد الله على خليفة الموحدين عبد الواحد فخلعه وتلقب بـ "العادل" 621هـ، ثم ما لبث أن ثار عليه ابن عمه عبد الله البياسي الذي لم يجد عونا من الموحدين في ثورته هذه، فما كان منه إلا أن انحاز إلى فرناندو الثالث ملك قشتالة وتنازل له عن عدد من بلاد الأندلس، ثم قاتل معه المسلمين وقتل منهم بضعة آلاف في أكثر من مدينة مهمة، واستولى فرناندو بسبب هذا التحالف على مجموعة من المدن الحصينة التي تمثل خط الدفاع عن قرطبة، وظلت هذه الحال ثلاث سنوات يتصاعد فيها نفوذه وخطره وخطر النصارى معه حتى مُني بهزيمة شديدة أمام إشبيلية التي كانت في يد أبي العلا إدريس 623هـ، فما لبث أن هام على وجهه فتلقفه أهل قرطبة فقتلوه لما كان من خياناته الكثيرة، بل ذكر ابن عذارى أنه دخل في النصرانية.

لكن الأمور لم تهدأ، فأبو العلا إدريس الذي لم يستطع أن يواجه عبد الله البياسي في الأندلس إلا وهو أمام أسوار مدينته إشبيلية، ثم لم يستطع أن يحرز نصرا على النصارى بعدئذ فأبرم معهم 624هـ هدنة لمدة عام مقابل ثلاثمائة ألف قطعة فضية، هذا الرجل الذي تتفلت من بين يديه الأندلس نادى بنفسه خليفة على المغرب والأندلس وخرج على أخيه العادل وتآمر عليه حتى بلغ مأربه، فقُتِل العادل، وتلقب هو بـ "المأمون" 624هـ. إلا أن الأمر لم يَصفُ له، فلقد بايعت المغرب ابن أخيه يحيى "المعتصم"!!

وهنا، كرر المأمون سيرة الخائنين فذهب إلى فرناندو يجدد معه الهدنة، ويطلب منه قوة عسكرية تنزل معه المغرب وتحارب له، وقبل بشروط فرناندو المهينة التي كان منها: بناء كنيسة للنصارى في مراكش، والتنازل عن عشرة حصون يختارها بنفسه، وإذا أسلم نصراني يُرَدُّ إلى أهله، وإذا تنصر مسلم فلا سبيل لأحد عليه!! ثم إن المأمون جمع جنوده ونزل بهم إلى المغرب وترك الأندلس كلها بلا دفاع فصارت مكشوفة للنصارى. ولم يبق بالأندلس إلا الأمير الرابع الذي ظل بعيدا عن الأحداث أبو زيد عبد الرحمن.

ثار بالأندلس ثلاثة رجال، ثار ابن هود على المأمون، ثم ثار ابن الأحمر على ابن هود، وفي شرق الأندلس ثار أبو جميل زيان، في ظل هذه الأحذاث كانت بلنسية في شرق الأندلس حيث يعيش الإمام سليمان الكلاعي، وهي المنطقة التي كانت تأكلها مملكة أرجون.

مع الاضطراب الحادث بالجزيرة وانهيار سلطان الموحدين ثار في بلنسية وزيرها ومدبر أمرها أبو جميل زيان على واليها والي الموحدين أبو زيد عبد الرحمن الذي يحكمها منذ 620هـ، وكان أبو زيد عبد الرحمن قد هزمه ثائرُ مرسية ابن هود الذي كان طامعا في الاستيلاء على ما بقي من الأندلس. هرب أبو زيد وصارت بلنسية في يد أبي جميل زيان الذي انهزم لمرة أخرى أمام ابن هود؛ حين رأى أبو زيد أن بلنسية قد صارت نزاعا بين أبي جميل وابن هود وأن دولة الموحدين يتواصل انهيارها ذهب لاجئا إلى خايمة الأول (Jaima I) ملك أراجون، فكرر بذلك سيرة أخيه عبد الله البياسي مع فرناندو الثالث!!.

إستشهاد الإمام الكلاعي

وطَّد أبو جميل زيان سلطانه في بلنسية، ولم تنته المنازعات بينه وبين ابن هود، حتى دهمه خايمة الأول يريد أخذ بلنسية قاعدة شرق الأندلس ، قرّرأهل بلنسية وشيخهم أبا الربيع سليمان الكلاعي" المقاومة و الخروج لحرب الأرجونيين.

خرج الإمام سليمان الكلاعي يقود الناس ويحرضهم على الجهاد وهو في السبعين من عمره حتى خرج معه أهل بلنسية (فالينسيا Valencia) يواجهون بإمكاناتهم المحدودة جيش النصارى الضخم، عند أنتيشة على بعد سبعة أميال من حاضرة بلنسية، وكانت موقعة كبيرة كان يحمل فيها الراية ويتقدم جيش المسلمين يحارب معهم و يحرضهم على القتال يتقدم الصفوف زاحفاً إلى العدو وهو ينادي بالمنهزمين: أمن الجنة تفرون! حتى نال فيها الشهادة "مقبلا غير مدبر، ينادي المنهزمين: أعن الجنة تفرون؟!وذلك ضحى يوم الخميس الموفي عشرين لذي الحجة سنة أربع وثلاثين وستمائة" 634 هجرية .

وفي تلك الموقعة أنشأ ابن الأبَّار قصيدة طويلة يرثي فيها شيخه الكلاعي ومن استشهد معه، جاء فيها:

سَقَى الله أَشْلاءً بِسَفْحِ أَنِيْشـةٍ

سَـوَافِحُ

تَزْجِيْهَا ثِقالُ الغمائـمِ

وما بذَلُوْا إلا نُفُوسَـاً نَفِيْسَـةً

تَحِنُّ إلى الأُخرى

حنينَ الرَّوائِمِ

سَلامٌ عَلَى الدُّنيا إذا لَمْ يَلُحْ بها

مُحيَّا سُلَيْمَانَ

بْنِ مُوْسَى بنِ سَالمِ

يَمَانٍ كَلاَعِيٌّ نَمَاهُ إلى الْعُـلا

تَمَـامٌ حَـوَاهُ

قَبْلَ عَْقدِ التَّمَائِـمِ

مؤلفات الإمام الكلاعي

خلَّـف ابن سالم الكلاعي ما يقارب خمسة وعشرين مؤلفاً في مختلف العلوم والفنون، ولعل أوسعها شهرة كتابه «الاكتفا في مغازي المصطفى والثلاثة الخلفا» وهو كتاب يقع في أربعة مجلدات، يستعرض فيه المؤلف تاريخ ابتداء الإسلام وأطرافاً من سيرة رسول الله صلّى الله عليه و سلّم والغزوات التي جرت في أيامه وأيام خلفائه الراشدين الثلاثة رضي الله عنهم.

وللكلاعي من الكتب أيضاً «مصباح الظُّلم» في الحديث، نحا فيه منحى كتاب «الشهاب» للقُضاعي، و«الإعلام بأخبار البخاري الإمام» و«نكتة الأمثال ونفثة السحر الحلال» بنى فيه الكلام على ما تضمنه كتاب أبي عبيد البكري من الأمثال واضطرار العرب إليها، و«جَنيُّ الرُّطب في سنِّي الخُطب» جمع فيه خطبه في الجُمع والأعياد. ولـه غير ذلك إضافة إلى مجموع رسائله ومجموع شعره.

كان الإمام الكلاعي إمام في العلم، وإمام في الجهاد، حمل راية العلم أخذها بحقها فحَمَّلّتْه راية الجهاد، ثم ألبسته تاج الشهادة، نحسبه كذلك والله حسيبه.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية