في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

الحروب الصليبية : موقعة الصنبرة

الحروب الصليبية : موقعة الصنبرة
الحروب الصليبية : موقعة الصنبرة


الحروب الصليبية : موقعة الصنبرة

موقعة الصنبرة واحدة من أهم المعارك التى إنتصرفيها المسلمين على الصليبيين وقد كان للأمير ممدود بن التونتكين فيها دورا بارزا تمثل في توحيد الصف الإسلامى بعد تشتته وتجسيد معانى الإخلاص والصدق و إزكاء روح الجهاد والأخذ بأسباب النصر.

من هو الأمير مودود ؟

هو القائد المُوحد الصفوف شرف الدولة مودود بن التونتكين أمير من أمراء السلاجقة العظام، وهو من التركمان الأخيار، كان رجلاً فاضلاً عالمًا مجاهدًا، قال فيه ابن الأثير: "وكان خيِّرًا، عادلًا، كثير الخير" .

كان ظهوره الأول عندما أرسله السلطان محمد السلجوقي إلى إمارة الموصل لتخليصها من يد حاكمها جاولي سقاو، الذي كان سيِّئ الخلق، وحشيًّا في تعاملاته، مكروهًا من العامة، وفوق ذلك فقد أعلن استقلال عن السلطان السلجوقي وقطع كل صلة به، مما دفع السلطان محمد لأن يعهد في شهر ذي القعدة عام 501هـ/ عام 1108م إلى أحد رجاله، وهو مودود بن التونتكين بطرد جاولي من الموصل والحلول مكانه في حكمها.

بدأ مودود بترتيب بيته الداخلي في الموصل، وإقرار الأوضاع بعد الفتن التي مرت بها الإمارة في السنوات السابقة، وسار في إمارته بالعدل والرحمة ؛ فأحبه الناس حبًّا شديدًا، ودانوا له جميعًا بالطاعة، ثم إن الخطوة التالية لمودود كانت رائعة، وتعبر عن فقه عميق لطريق النصر، وهي خطوة توحيد الجهود، وتجميع الشتات، والالتزام بالفكر الجماعي، وقد فقه التوحيد القرآني الفريد: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ) ، ومن ثَمَّ بدأ مودود في مراسلة من حوله من الأمراء لتجميع جيوشهم تحت راية واحدة، ولهدف واحد وهو طرد الصليبيين من بلاد الإسلام.

إعداد مودود لمواجهة الصليبيين وتحرير الثغور الإسلامية:

استمرَّ مودود -رحمه الله- في الإعداد لحملة جديدة يُهاجم فيها الصليبيين مستغلاًّ أيَّ فرصة مناسبة للخروج، ولم يكن مهتمًّا كثيرًا بالاتجاه إلى إمارة صليبية معينة، بل كان غرضه هو تحرير البلاد الإسلامية كلها، وليس مكانًا معينًا بذاته، فكان أن أرسل إليه طُغْتِكِين أمير دمشق يستغيث به في أواخر سنة (506هـ= مايو 1113م)، حيث توقَّع صدامًا مرتقبًا مع بلدوين الأول ملك بيت المقدس.

أمير دمشق (طغتكين) يستنجد بممدود ضد ملك بيت المقدس:

والواقع أن طُغْتِكِين كان قد دخل في عدَّة مناوشات مع بلدوين الأول ملك بيت المقدس، وخاصةً حول مدينة صور اللبنانية، وكانت مدينة صور هي المدينة الوحيدة في قطاع لبنان التي لم تسقط في يد الصليبيين، ولم ينسها بلدوين الأول بل وجَّه إليها قوَّة عسكرية لإسقاطها، فاستغاث أهلها بطُغْتِكِين، فتوجَّه إليها بقوَّة من جيشه، واستطاع الدفاع عنها ببسالة، بل إنه قال لأهلها: «أنا ما فعلتُ هذا إلاَّ لله تعالى، لا لرغبة في حصنٍ أو مال، ومتى دهمكم عدوٌّ جئتكم بنفسي ورجالي».

والواقع أن مستقبل الأحداث صدَّق هذا الكلام؛ حيث لم يطالب طُغْتِكِين أهل صور بدفع مال له نظير الحماية، ولا شكَّ أن هذا التطوُّع منه أغضب بلدوين جدًّا، فكانت النتيجة أنه بدأ يُهاجم الضِّياع والأملاك الواقعة جنوب دمشق، مستخدمًا في ذلك الحامية القوية الموجودة في منطقة الجليل وطبرية بقيادة القائد المتحمِّس الجديد جوسلين دي كورتناي، بل لم يكتفِ بلدوين الأول بذلك، بل أخذ في مهاجمة القوافل الدمشقية المتجهة إلى القاهرة، والتي كانت تسلك طريقًا بعيدًا في الداخل لتهرب من مملكة بيت لار بها من ثروات وبضائع، ويعتدي على التجار فيها ولم يتوقَّف الأمر عند هذا الحدِّ، بل شعر طُغْتِكِين أن هناك من التحرُّكات الصليبية والإعدادات ما يُشير إلى احتمال هجوم كبير على جنوب دمشق أو دمشق ذاتها؛ مما دفعه إلى الاستنجاد بالزعيم الحقيقي الموجود في المنطقة وهو مودود بن التونتكين رحمه الله.

مودود يلبى نداء طغتكين(أمير دمشق) لقتال بلدوين الأول

وجد مودود -رحمه الله- أن هذه فرصة مناسبة مع خطورتها، ووجهُ الخطورة أنه سيقاتل بهذه الصورة في عمق دمشق بعيدًا جدًّا عن إمارة الموصل، حيث ستكون الموقعة غالبًا جنوب دمشق (أكثر من ألف كيلو متر من الموصل)، ثم إنه سيُقاتل أقوى جيوش الصليبيين، وهو جيش مملكة بيت المقدس، إضافةً إلى احتمالية أن يُغلِق عليه الصليبيون في الرها وأنطاكية طريقَ العودة إلى الموصل؛ مما قد يُوقعه في خطر شديد، ومع ذلك فقد قَبِل مودود أن يُلَبِّيَ نداء طُغْتِكِين دون تردُّد، وخرج بالفعل على رأس جيشه صوب دمشق في أواخر سنة (506هـ= مايو 1113م)، أي في الشهر نفسه الذي وصلت فيه الاستغاثة من طُغْتِكِين.

تكوَّن حلف إسلامي منظم لأول مرة في حروب المسلمين ضد الصليبيين، وكان على رأسه مودود، ويساعده فيه إيلغازي بن أرتق أمير ماردين وحصن كيفا، وهو أخو الزعيم السابق سقمان بن أرتق الذي مات وهو في طريقه لنجدة طرابلس كما بينا قبل ذلك، وكان في حلف مودود أيضًا سقمان القطبي، وهو أمير خلاط وتبريز، كما تراسل معهم ظاهر الدين طغتكين أمير دمشق، الذي كان له - كما ذكرنا - بعض الميول الجهادية ضد الصليبيين . كانت وجهة هذه الحملة واضحة إذ قرروا التوجه صوب الرها، والغرض تحرير هذه الإمارة الإسلامية من الاحتلال الصليبي، وتحركت الجيوش الإسلامية من الموصل في شوال سنة (503هـ) إبريل 1110م، وفي غضون أيام قليلة وصلت الحملة العسكرية إلى حصون مدينة الرها، وهي تقع شرق نهر الفرات، وهي من أحصن القلاع في ذلك الوقت، وضرب مودود الحصار حول المدينة !

حصار مدينة الرها

شعر بلدوين دي بورج أمير الرها بالخطر الشديد، ومن ثَمَّ أرسل رسالة استغاثة عاجلة إلى بلدوين الأول ملك بيت المقدس، وكان الذي يحمل الرسالة هو جوسلين دي كورتناي شخصيًّا أمير تل باشر، دلالةً على اهتمام بلدوين دي بورج بالأمر، ووصلت الرسالة إلى الملك بلدوين الأول وهو في بيروت حيث كان محاصِرًا لها آنذاك . 

ظل الأمير مودود محاصِرًا لمدينة الرها مدة شهرين كاملين، وقد حاول بكل طريقة أن ينفذ من خلال استحكاماتها العسكرية لكنه لم يفلح لشدة حصانة المدينة، وفي هذه الأثناء كان بلدوين الأول يجمع الجيوش الصليبية للدفاع عن إمارة الرها، وبالفعل جاء بلدوين الأول بنفسه على رأس فرقة من جيشه، وجاء معه برترام أمير طرابلس  و لحق به  تانكرد على رأس ألف وخمسمائة فارس ، إضافةً إلى هذه التحركات الواعية من بلدوين الأول تفاوض هذا الملك الخبير مع كوغ باسيل الأمير الأرمني لمدينة كيسوم، وبالفعل انضم إليه كوغ باسيل بفرقة من جيشه .. 

رأى مودود أن جيوشه ستحصر بين جيوش الصليبيين، حيث ستخرج له جيوش بلدوين دي بورج، ويغلق عليه بلدوين الأول وبرترام طريق العودة، ومن هنا آثر مودود في ذهاء حربي واضح أن ينسحب بجيشه إلى حرَّان جنوب شرق الرها؛ تمهيدًا للانسحاب أكثر وأكثر لاستدراج الجيش الصليبي، كما حدث قبل ذلك بست سنوات في موقعة البليخ، وهناك في حران وافته جيوش طغتكين أمير دمشق لتزداد بذلك القوة الإسلامية .

في هذا الوقت ترامت أخبار للملك بلدوين الأول باحتمال هجوم عبيدي على مملكة بيت المقدس، وكذلك وردت أخبار عن تحركات لرضوان ملك حلب صوب بعض القلاع المملوكة لتانكرد حول أنطاكية ، وقد جعلت هذه الأخبار المزعجة الصليبيين في قلق على إماراتهم، ومن ثَمَّ قرروا الرجوع دون القتال؛ ومع ذلك فقد رأى بلدوين الأول أن ترك هذه المساحات الكبيرة من القرى والضياع والمزارع - وكلها داخلة في حدود إمارة الرها - سيمثل خطورة كبيرة على سكانها الصليبيين والأرمن، ومن ثَمَّ أصدر قراره بترحيل كل السكان من هذه المناطق الواقعة شرق الفرات إلى غربه؛ وذلك لتفادي هجوم المسلمين عليهم، وعليه فلن يبقى شرق الفرات إلا المدينتان الكبيرتان الرها وسروج .

 وبالفعل بدأ الترحيل السريع للسكان تمهيدًا لعودة الجيوش الصليبية إلى أماكنها، وأدرك ذلك مودود فتقدم بجيوشه شمالاً، والصليبيون يتراجعون في سرعة، ومع ذلك استطاع مودود أن يلحق بمؤخرة الجيش الصليبية، وبكثير من السكان الذين فشلوا في عملية الترحيل المفاجئة، وهذا أدى إلى انتصار إسلامي سريع على مؤخرة الصليبيين، مع امتلاك عدد كبير من الأسرى والغنائم والسلاح .

الدعوة الثانية للجهاد

ظل مودود متمسكاً بفكرة جهاد الصليبيين وهي المهمة التي عهد إليه بها السلطان محمد السلجوقي، بوصفه ممثله في إقليم الجزيرة وبلاد الشام، دعا مودود الأمراء إلى التجمُّع من جديد لحرب الصليبيين؛ مرسِّخًا بذلك مبدأ الوَحْدَة والتجمُّع حول راية واحدة، وقد استجاب له في هذا النداء قميرك أمير إمارة سِنْجَار، وهي من إمارات ديار بكر في شمال العراق، وكذلك إياز بن إيلغازي أمير مَارِدِين، إضافةً -طبعًا- إلى طُغْتِكِين أمير دمشق الذي وجَّه الدعوة إلى مودود

تجمَّعت الجيوش السلجوقية عند مدينة سَلَمْيَة، وهي إلى الجنوب الشرقي من حماة، ثم اتجهت مباشرةً إلى مدينة طبرية الحصينة، وهي تطلُّ على بحيرة طبرية المعروفة في فلسطين، وهناك التقى جيش مودود مع جيش طُغْتِكِين، وبدءا حصارًا سريعًا لمدينة طبرية؛ إلاَّ أنها استعصت عليهم، فتركها الجيش الإسلامي وأخذ في غزو المناطق المحيطة مستوليًا على قدر كبير من الغنائم والممتلكات الصليبية؛ حتى وصلوا إلى جبل الطور.

روجر الأنطاكى وبونز بن برترام (أمير طرابلس )وتحرك جيشيهما نحو طبرية:

ووصلت الأخبار سريعًا إلى بلدوين الأول ملك بيت المقدس، فأرسل رسالة استغاثة عاجلة إلى كل الإمارات الصليبية، فردَّ عليه بالإيجاب أمير أنطاكية الجديد روجر الأنطاكي، وكذلك أمير طَرَابُلُس الجديد بونز بن برترام، وتحرَّكا بجيوشهما فعلاً في اتجاه طبرية، أمَّا بلدوين دي بورج فقد اعتذر للظروف التي تمرُّ بها إمارته كما أوضحنا.

خروج بلدوين الأول تجاه طبرية:

ومع كون بلدوين الأول قد أرسل طلبًا للمعونة؛ فإنه لم يستطع أن ينتظر الجيوش الصليبية القادمة من الشمال؛ لأنه خشي أن تتوغَّل الجيوش الإسلامية في مملكته؛ مما قد يُهَدِّد مدينة القدس ذاتها، خاصةً أن مدينة عَسْقَلان لا تزال في يد العبيديين، وقد تُحصر القدس بين الجيوش السلجوقية والجيوش العبيدية؛ ولذلك خرج بلدوين الأول بسرعة شمالاً في اتجاه طبرية.

مودود يختار الاقحوانه وينصب كمينا لبلدوين الأول عند جسر الصنبرة:

عَلِم مودود بتحرُّك الجيش الصليبي من الجنوب فأسرع باختيار مكان مناسب للقتال، واختار شبه الجزيرة المعروفة بالأقحوانة، والموجودة بين نهر الأردن ونهر اليرموك جنوب بحيرة طبرية، ولم يكتفِ بذلك، بل نصب كمينًا خطيرًا لبلدوين الأول عند جسر الصِّنَّبْرَة على نهر الأردن جنوب غرب بحيرة طبرية.

معركة الصنبرة (13 محرم 507هـ/1113م)

وفي يوم 13 من محرم 507هـ/ 20 من يونيو 1113م شاء الله عز وجل أن يدخل بلدوين الأول في الكمين الذي نصبه مودود له عند جسر الصنبرة، بل إنه في رعونة بالغة -لا تُفسَّر إلا بأن الله عز وجل أعمى بصره- لم يترك حامية صليبية تحمي ظهره، وكأنه نسي كل القواعد العسكرية التي تعلمها طوال حياته!

دارت موقعة شرسة عند جسر الصنبرة -وهي ما عرفت في التاريخ بموقعة الصنبرة، وكان للمفاجأة عاملٌ كبير في تحويل دَفَّة المعركة لصالح المسلمين، وما هي إلا ساعات حتى سُحِق الجيش الصليبي، وقتل ما يزيد على ألفي فارس، وهرب بلدوين الأول بمشقة بالغة بعد أن دمرت فرقة من أهمِّ فرق جيشه! وغنم المسلمون غنائم هائلة في هذه المعركة من الخيول والسلاح والممتلكات.

ومضى المسلمون في زحفهم، بعد المعركة، حتى بلغوا طبرية، غير أنهم لم يغامروا فقرروا الانسحاب إلى دمشق، حيث دخلتها في ربيع الأول 507هـ/ سبتمبر 1113م، وكان ذلك أول مرة تتعاون الموصل ودمشق في حرب الصليبيين في مملكة بيت المقدس.

وتكمن أهمية الأتابك مودود في أنه أعاد للمسلمين الثقة بأنفسهم، فتحولوا من الدفاع إلى الهجوم في علاقاتهم مع الصليبيين وبلور فكرة الاتحاد بين المسلمين، وأعطاها بُعداً سياسياً وعسكرياً، فأضحى أمراؤهم على استعداد للتعاون المثمر بنوايا صادقة.

عماد الدين زنكى ومهارته العسكريه فى موقعة الصنبرة

وكان يوم الصنبرة يومًا ردَّ فيه مودود رحمه الله الاعتبارَ من هزيمة السنة الماضية عند حصون الرها، ومما هو جدير بالذكر أن هذه المعركة شهدت بزوغًا رائعًا لنجم إسلامي جديد كان في جيش مودود، وهو القائد العسكري الفذُّ عماد الدين زنكي، الذي أبلى بلاءً حسنًا في هذه الموقعة حتى وصف ذلك ابن الأثير بقوله: "وكان له شجاعة في الغاية!"

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية