في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

جابر عثرات الكرام

جابر عثرات الكرام
جابر عثرات الكرام

جابر عثرات الكرام

هي قصة من أمتع القصص المُؤثرة التي سطرها تاريخنا الإسلامي هذه القصة قد حوت بين طيات أحداثها صفحات و لا أروع من النخوة ؛ و من عزة النفس ؛ و من الكرامة ؛ و من الوفاء ، و هي تعطينا نموذجاً عما كانت عليه أخلاق المسلمين في غابر أيامهم ، و بالتالي تستنهضنا لنحيي هذه المآثر في واقعنا الراهن .

جاء في [ ثمرات الأوراق لابن حجة الحموي ( ص 151-153) ، المستجاد من فعلات الأجواد للتنوخي ( ص 6-8 )] عن شيبة بن محمد الدمشقي قال :كان في زمن سليمان بن عبد الملك رجل من بني أسد يقال له خزيمة بن بشر ، مشهور بالمروءة والكرم والمواساة ، وكانت نعمته وافرة ، فلم يزل على تلك الحالة حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يواسيهم ويتفضل عليهم ، فواسوه حينا ثم ملوه ، فلما لاح له تغيرهم أتى امرأته وكانت ابنة عمه فقال لها :" يا بنت العم قد رأيت من اخواني تغيُّرا ، وقد عزت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت "، ثم أغلق بابه عليه ، وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد ، وبقي حائرا في حاله .

فكان عكرمة الفياض واليا على الجزيرة ، فبينما هو في مجلسه وعنده جماعة من أهل البلد إذ جري ذكر خزيمة بن بشر ، فقال عكرمة : ما حاله ؟ ، فقالوا : صار في أسوأ الأحوال ، وقد أغلق بابه ، ولزم بيته .

فقال عكرمة الفياض " - وما سُمي الفياض إلا للإفراط في الكرم - : فما وجد خزيمة بن بشر مواسيا ولا مكافئا" ؟

فأمسك عن ذلك ، فلما كان الليل عمد إلى أربعة آلاف دينار فجعلها في كيس واحد ، ثم أمر بإسراج دابته ، وخرج سراً من أهله ، فركب ومعه غلام واحد يحمل المال ، ثم سار حتى وقف بباب خزيمة ، فأخذ الكيس من الغلام ، ثم أبعده عنه ، وتقدم إلى الباب فطرقه بنفسه ، فخرج خزيمة فقال له :" أصلح بهذا شأنك" ، فتناوله فرآه ثقيلا ، فوضعه وقبض على لجام الدابة وقال له :" من أنت جُعلت فداك" ؟

قال له عكرمة الفياض:" ما جئت في هذا الوقت وأنا أريد أن تعرفني".

قال خزيمة : "فما أقبله أو تخبرني من أنت "؟

قال : "أنا جابر عثرات الكرام ".

قال خزيمة :" زدني "، قال : لا، ثم مضى .

دخل خزيمة بالكيس إلى امرأته فقال لها :" أبشري فقد أتى الله بالفرج ، فلو كان في هذا فلوس كانت كثيرة ، قومي فاسرجي ".

قالت :" لا سبيل إلى السراج" ، فبات يلمس الكيس فيجد تحت يده خشونة الدنانير، ورجع عكرمة إلى منزله فوجد امرأته قد افتقدته ، وسألت عنه ، فأُخبرت بركوبه منفرداً ، فارتابت ، وشقت جيبها ، ولطمت خدها ، فلما رآها تلك الحالة قال لها : "ما دهاك يا ابنة العم "؟ .

قالت : "سوء فعلك بابنة عمك، أمير الجزيرة يخرج بعد هدأة من الليل منفرداً عن غلمانه في سرّ من أهله إلا إلى زوجة أو سريّة "؟ .

فقال عكرمة : "لقد علم الله ما خرجتُ لواحدة منهما.

قالت :" لابد أن تُعلمني" ، قال : "فاكتميه إذاً" ، قالت : أفعل ، فأخبرها بالقصة على وجهها ، ثم قال :"أتحبين أن أحلف لك" ؟ ، قالت:  لا ، قد سكن قلبي .

ثم أصبح خزيمة فصالح غرماءه ، وأصلح من حاله ، ثم تجهز قاصداً سليمان بن عبدالملك فلما حضره ، استأذن عليه ، فأذن له سليمان لما يعلم من مروءته ، فأخذ سليمان يسأله عن حاله وسبب إبطاءه عنه ، فأخبره خزيمة بقصة زائر الليل.

فقال سليمان :" هل عرفته" ؟

قال : "لا والله لأنه كان متنكراً ، وما سمعت منه إلا أنه جابر عثرات الكرام" .

فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال :" لو عرفناه لأعنّاه على مروءته".

ثم عقد لخزيمة ولاية الجزيرة وعلى عمل "عكرمة الفياض" نفسه ، و أجزل عطاياه ، وأمره بالتوجه إلى الجزيرة .

فخرج خزيمة إليها ، فلما قرب منها خرج عكرمة وأهل البلدة للقائه ، وسارا جميعاً إلى أن دخلا البلد فنزل خزيمة دار الإمارة ، وأمر أن يؤخذ عكرمة ويحاسب ، فحوسب ، ففضل عليه مال كثير فطلبه خزيمة بالمال. قال عكرمة : "مالي إلى شيء منه من سبيل, و لست ممن يصون ماله بعرضه ، فأصنع ما شئت".

فأمر به فكبِّل بالحديد ، و وضع في الحبس وضيّق عليه ، فأقام على ذلك شهراً ، فأضناه ثقل الحديد وأضر به . وبلغ ذلك ابنة عمه ، فدعت جارية لها ذات عقل ، وقالت :" امض الساعة إلى باب هذا الأمير ، فقولي عندي نصيحة ، ولا أقولها إلا للأمير نفسه ، فإذا دخلت عليه سليه في الخلوة :" ما كان هذا جزاء جابر عثرات الكرام منك في مكافأتك له بالضيق والحبس والحديد ! " ،ففعلت الجارية ذلك فلما سمع خزيمة قولها قال : "واسوأتاه ! جابر عثرات الكرام غريمي " ! فأمر من وقته بدابته فأسرجت ، وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس ففتح ، ودخل فرأى عكرمة الفياض في قاع الحبس متغيراً ، قد أضناه الضّر . فلما نظر عكرمة إلى خزيمة وإلى الناس احشمه ذلك ، فنكس رأسه .

فأقبل خزيمة حتى انكب على رأسه فقبّله فرفع عكرمة رأسه إليه وقال :" ما أعقب هذا منك "؟

قال :" كريم فعالك وسوء مكافأتي ".

قال : "يغفر الله لنا ولك".

ثم أمر خزيمة بفك قيود عكرمة و خرجا جميعاً إلى أن وصلا إلى دار خزيمة ، فودعه عكرمة وأراد الانصراف ، فلم يمكنه من ذلك ، وقال : وما تريد ؟ قال : أغير من حالك ما أراه ، ثم أمر بالحمام فأخلي ودخلا جميعاً ، ثم قام خزيمة فتولى خدمة عكرمة بنفسه ، وسأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين.

فسارا جميعً حتى قدما على سليمان بن عبدالملك ، فراعه قدوم خزيمة بدون أمره مع قرب العهد به ، فأذن لخزيمة ، فلما دخل عليه قال له قبل أن يسلم :" ما وراءك يا خزيمة" ؟

قال : خيراً يا أمير المؤمنين ، ظفرت بجابر عثرات الكرام ، فأحببت أن أسرك لما أعلم من شوقك إلى رؤيته ".

قال سلميان :" ومن هو " ؟

قال : عكرمة الفياض" ، فأذن له بالدخول ، فدخل وسلم عليه وأدناه من مجلسه وقال سليمان :" يا عكرمة ، كان خيرك له وبالاً عليك" .

ثم قضى حوائجه وأمر له بعشرة آلاف دينار ، و عقد له على الجزيرة وأرمينية وأذربيجان ، وقال له : " أمر خزيمة بيدك ، إن شئت أبقيته و إن شئت عزلته".

قال :" بل أرده إلى عمله يا أمير المؤمنين"، ثم انصرفا جميعاً ، ولم يزالا عاملين لسليمان بن عبد الملك مدة خلافته.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية