في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

ثاني اثنين إذ هما في الغار " أبو بَكر الصّدِّيق"

ثاني اثنين إذ هما في الغار " أبو بَكر الصّدِّيق"
ثاني اثنين إذ هما في الغار " أبو بَكر الصّدِّيق"

ثاني اثنين إذ هما في الغار "أبو بَكر الصّدِّيق"

أبو بَكر الصّدِّيق اسمه عبد الله - ويقال عتيق بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي التيمي رضي الله عنه روى عنه خلق من الصحابة وقدماء التابعين ، من آخرهم : أنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وقيس بن أبي حازم ، ومرة الطيب . (50 ق هـ - 13هـ / 573م - 634م) هو أولُ الخُلفاء الراشدين، وأحد العشرة المُبشرين بالجنَّة،قال ابن أبي مليكة وغيره ، إنما كان عتيق لقبا له وعن عائشة ، قالت : اسمه الذي سماه أهله به " عبد الله " ولكن غلب عليه " عتيق " ، كان أول من آمن من الرجال .

كان من أغنياء قريش في الجاهلية، دخل الإسلام دون تردد بعد أن دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام ، فكان أول رجل أسلم في عهد الرسول.عن عائشة ، قالت : ما أسلم أبو أحد من المهاجرين إلا أبو بكر . وعن الزهري ، قال : كان أبو بكر أبيض أصفر لطيفا جعدا مسترق الوركين ، لا يثبت إزاره على وركيه ، وهو صاحب مروءة وإحسان وتفضيل، وهو رجل من احد عشر رجالاَ من قريش كان لهم شرف وفضل وسيادة، واشتهر عنه التواضع والشجاعة. وجاء أنه اتجر إلى بصرى غير مرة ، وأنه أنفق أمواله على النبي صلى الله عليه وسلم وفي سبيل الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر " . وقال عروة بن الزبير : أسلم أبو بكر يوم أسلم وله أربعون ألف دينار . وقال عمرو بن العاص : يا رسول الله ، أي الرجال أحب إليك ؟ قال : " أبو بكر " .

نشأته و إسلامه

ولد أبو بكر في مكة سنة 573م بعد عام الفيل الذي وُلد فيه النبي محمد بسنتين وستة أشهر، فكان أصغر عُمراً منه، ولم يختلف العلماء في أن أبا بكر وُلد بعد عام الفيل، وإنما اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم قال بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر ولم يحددوا عدد الأشهر.

وقد نشأ أبو بكر وترعرع في مكة، في طفولته ذهب به والده في أحد الأيام لزيارة الأصنام التي كانوا يعبدونها، وتركه بعد أن أوصاه أن يقوم برعايتها والصلاة لها، فقال أبو بكر لواحد من الأصنام: إني جائع فأطعمني فاصنع فلم يجبه الصنم بالطلب، فقال ساخراَ: أريدك أن تكسوني ، ولم يجبه ، فأخذ صخرة وألقاها على الصنم فوقع على وجهه . وكان من رؤساء قريش وأشرافها في الجاهلية، محبباً فيهم، مألفاً لهم، وكان إليه الأشناق في الجاهلية، والأشناق هي الدِّيات، وكان إذا حمل شيئاً صدَّقته قريش وأمضوا حمالته وحمالة من قام معه، وإن احتملها غيرُه خذلوه ولم يصدقوه.

إسلام أبو بكر

وأبو بكر أول من أسلم من الرجال، وأسلم على يديه عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وسعد بن أبى وقاص رضي الله عنه، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنه.

كان إسلام أبي بكر وليد رحلة طويلة في البحث عن الدين الذي يراه الحق، والذي ينسجم برأيه مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قطع الفيافي والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية، وتنقل من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقاً بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وقد حدث أبو بكر عن ذلك فقال: كنت جالساً بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نفيل قاعداً، فمر أمية بن أبي الصلت، فقال: «كيف أصبحت يا باغي الخير؟»، قال: «بخير»، قال: «وهل وجدت؟»، قال: «لا»، فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم

كل دين يوم القيامة إلا  ***********    ما مضى في الحنيفية بورُ

أما إن هذا النبي الذي يُنتظر منا أو منكم، يقول أبو بكر: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويُبعث، فخرجت أريد ورقة بن نوفل، وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر، فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: «نعم يا ابن أخي، إنا أهلُ الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسباً -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسباً»، قلت: «يا عم، وما يقول النبي؟»، قال: «يقول ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظلم ولا يظالم»، فلما بُعث رسول الله آمنت به وصدقته.

وقد كان أبو بكر يَعرف النبي محمداً معرفة عميقة في الجاهلية، وكانت الصلة بينهما قوية، وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أنه كان صاحب النبي محمد قبل البعثة، وكان يعلم من صدقه وأمانته وحسن سجيته وكرم أخلاقه ما يمنعه من الكذب على الناس.

قال ابن إسحاق: «ثم إن أبا بكر الصدِّيق لقي رسول الله فقال: «أحق ما تقول قريش يا محمد؟ مِن تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آبائنا؟»، فقال رسول الله: «بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته»، وقرأ عليه القرآن، فلم يقر ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق». وقد روي عن النبي محمد أنه قال: «ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عكم عنه حين ذكرته، ولا تردد فيه».

إيذاءُ قريش لأبي بكر

وحين دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم يستخفي فيها من قريش ويؤدى بها شعائر دينه هو والمسلمون الأوائل, وقف أبو بكر يدعو لدين الله, فقام الكفار إلى أبى بكر يضربونه حتى سقط مغشياَ عليه, فداسوه بأقدامهم ولم يستطع أحد أن يستنقذه منهم إلا بنو تيم بن مرة عشيرة أبي بكر, وحملوه إلى الدار فلما أفاق رفض أن يتناول الطعام حتى يطمئن على رسول الله صلى الله عليه وسلم, وطلب من أمه أن تذهب إلى فاطمة بنت الخطاب (شقيقة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) لتسألها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانت فاطمة قد أسلمت هي و زوجها سعيد بن زيد, فجاءته فاطمة وخرج معهما, ولما اطمأن على رسول الله صلى الله عليه وسلم, طلب منه أن يدعو لأمه أن تسلم, فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم, فأسلمت.

أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة ودخل أبو بكر في جوار ابن الدغنة من أذى المشركين، ثم طلبت قريش من مجيره أن تكون عبادة أبى بكر داخل بيته، وعاد إلى بيته فبني بها مسجداَ، وراح يقرأ القرآن، فخشيت قريش أن يفتن الناس بالإسلام، فطلبوا من مجيره أن يأخذ منه الجوار أو أن يجعله يكف عن قراءة القرآن بصوت مسموع. فقال له أبو بكر: "إنني أرد عليك جوارك وأدخل في جوار الله.

إنفاقه المال في سبيل الله و هجرته


يقول تعالى: (وسيجنبها الأتقى الذي يؤتى ماله يتزكى) . قُبيل هجرت أبو بكر رضي الله عنه أعتق سبعة كانوا يعذبون لإسلامهم وكان يمتلك أربعين ألف درهم أنفقها، ولم يبق معه وقت هجرته إلا خمسة آلاف فقط.

يقول تعالى: ( إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم ).

ها هو أبو بكر يخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجراَ معه وسارا معاَ حتى وصلا إلى جبل ثور جنوب غرب مكة. وكانت أسماء بنت أبى بكر تأتيهما بالطعام في الغار، وظل رسول الله وأبو بكر في الغار لمدة ثلاثة أيام.

ولأبي بكر أثناء دخولهما الغار موقف جليل حيث إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : انتظر حتى أدخل فأنظر, حتى لا يكون هناك شيء يؤذى النبي صلى الله عليه وسلم, بل وقام بسد الثغور بثوبه وبجسده. وقد أخد ما بقى معه من مال وهو خمسة آلاف درهم, وتقول أسماء بنت أبى بكر: إن والد أبيها - وكان كفيفا - قد استاء من هجرة ابنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه كان مشركاَ فقامت بوضع الحجارة في كيس النقود وقالت لجدها: ها هو المال قد تركه أبى لنا.

جهاده و غزواته مع الرسول صلّى الله عليه و سلم

كان أبو بكر لا يترك رسول الله صلى الله عليه وسلم, وقاتل معه في غزوة بدر, وثبت معه يوم أحد ويوم حنين حين فر الناس، فقد شهد أبو بكر مع النبي محمد غزوة بدر والمشاهد كلها، ولم يَفُتْه منها مشهد، فقد شارك أبو بكر في غزوة بدر سنة 2هـ، وكانت له فيها مواقف مشهورة، فلما بلغ النبيَّ محمداً نجاةُ القافلة وإصرارُ زعماء مكة على قتال النبي، استشار أصحابه في الأمر، فقام أبو بكر أولاً فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن. وقد ظهرت من أبي بكر شجاعة وبسالة، وقد شارك ابنه عبد الرحمن في هذه المعركة مع المشركين، فلما أسلم قال لأبيه: «لقد أهدفت لي (أي ظهرت أمامي) يوم بدر، فملت عنك ولم أقتلك»، فقال له أبو بكر: «لو أهدفت لي لم أمل عنك».

وشهد أبو بكر غزوة أحد سنة 3هـ، ولما تفرق المسلمون من حول النبي محمد، وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان، وشاع أن الرسولَ محمداً قد قُتل، شقَّ أبو بكر الصفوف، وكان أولَ من وصل إلى الرسول محمد، وقد اجتمع إلى الرسول محمد آنذاك كلُّ من: أبو بكر، وأبو عبيدة بن الجراح، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعمر بن الخطاب، والحارث بن الصمة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم.

روى أن علي بن أبي طالب قال حين سأله الناس: من أشجع الناس؟ فقال لهم: إنه أبو بكر, لقد كان يوم بدر حين صنعنا للرسول عريشاَ فوقف شاهراَ سيفه على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم يدافع عنه ولا يهوى أحد إليه إلا هوى إليه بسيفه وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاَ أن يقول ربى الله. ومن الآيات البينات التي نزلت في أبى بكر(فأما من أعطى واتقى) حيث كان يعتق العجائز والنساء إذا أسلمن. ونزلت فيه أيضاَ (ولمن خاف مقام ربه جنتان).

أبو بكر الخليفة

بعد أن تمت بيعة أبي بكر البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، اجتمع المسلمون في اليوم التالي للبيعة العامة، قال أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «أيها الناس، إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهداً عهده إلي رسول الله ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا، وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله ، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه»، فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السقيفة.

ثم تكلم أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: أما بعد أيها الناس، فإني قد وُليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا خذلهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله.

بدأ أبو بكر إدارة شؤون الدولة بعد مبايعته بالخلافة، واتخذ من الصحابة أعواناً يساعدونه على ذلك، فأسند إلى أبي عبيدة بن الجراح شؤونَ بيت المال، وتولى عمر بن الخطاب القضاء، وباشر أبو بكر القضاءَ بنفسه أيضاً، وتولى زيد بن ثابت الكتابة (البريد)، وأحياناً يكتب له من يكون حاضراً من الصحابة كعلي بن أبي طالب أو عثمان بن عفان.

إرسال جيش أسامة بن زيد إلى الشام

ندب النبي محمد المسلمين لغزو الروم بالبلقاء وفلسطين سنة 11هـ، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد، ولكن النبي مرض بعد البدء بتجهيز هذا الجيش بيومين، فلم يخرج الجيش وظل معسكراً بالجُرْف، وهي موضع على بعد ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام، ورجع إلى المدينة بعد وفاة النبي. ولما تولى أبو بكر الخلافة أمر أن يُبعث أسامة بن زيد الكلبي، وألا يبقى بالمدينة أحد من جند أسامة إلا خرج إلى عسكره بالجرف، واقترح بعض الصحابة على أبي بكر بأن يبقي الجيش فقالوا: «إن هؤلاء جلُّ المسلمين، والعربُ على ما ترى قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين»، فقال أبو بكر: «والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله ، ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذته».

حروب الردة

حروب الردة ، هي سلسلة من الحملات العسكرية التي أطلقها الخليفة أبو بكر الصديق “رضي الله عنه” ضد القبائل العربية المتمردة خلال عام 632 و 633 بعد الميلاد ، وخاصة بعد وفاة سيدنا محمد “صلي الله عليه وسلم ” ، حيث كان موقف المتمردين بأنهم قدموا إلى سيدنا محمد “صلي الله عليه وسلم” لأنه نبي الله ، ولكن بعد وفاته لم يكونوا مدينين بشيء لأبي بكر الصديق ” رضي الله عنه”، ويتبع بعض المتمردين طليحة بن خويلد الأسدي ، وجميعهم ادعوا النبوة ، وبدأ من كان إيمانه ضعيفا يرتد عن دينه، وقد ثبت على الإيمان أهل المدينة ومكة والطائف ومهاجرة العرب وبعض المسلمين في بعض الأطراف،

كان لأبى بكر فضل محاربة أهل الردة, وقال قولته المشهورة: والله لو منعوني عناقاَ (ولد العنز الصغير) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. بدأ الخليفة الصِّدِّيق في تجهيز مجموعة من الجيوش الإسلامية التي ستخرج لحرب المرتدين في وقت متزامن، قاد خالد بن الوليد ذلك العبقري المسلم الفذّ الجيش الأول، وكان عدد الجيش 4000 مجاهد وكان أكبر الجيوش، لذلك فإنَّ أبا بكر الصِّدِّيق وجَّه لها جيشين؛ جيش على رأسه عكرمة بن أبي جهل، والآخر على رأسه شُرحبيل بن حسنة، وقال أبو بكر مقولته الشهيرة التي هي دستور المسلمين في الحروب: " لا تخونوا ولا تغدروا ، ولا تمثلوا بالقتلى ، ولا تقتلوا طفلا، ولا شيخا كبيراَ ولا امرأة، لا تعقروا نخلة ولا تحرقوها، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا للأكل، وإذا مررتم بالذين يتعبدون في صوامعهم فاتركوهم لشانهم، وعلى هذا فسيروا على بركة الله". وهزمت معظم القبائل وأعيد إدماجهم في الخلافة .

الفتوحات الإسلامية

لما انتهت حروب الردة واستقرت الأمور في الجزيرة العربية، بدأ أبو بكر بتوجيه الجيوش لفتح البلاد، فجيَّش لفتح العراق جيشين:

الجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذ باليمامة، فكتب إليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربي، وقال له: «سر إلى العراق حتى تدخلها وابدأ بفرج الهند (يقصد مدينة الأبلة)»، وأمره بأن يأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلهم، وأمره أن لا يُكره أحداً على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الإسلام وإن كان عاد إليه، وأمره أن يستصحب كل امرئ مر به من المسلمين، وشرع أبو بكر في تجهيز السرايا والبعوث والجيوش إمداداً لخالد. كان تاريخ بعث خالد إلى العراق في شهر رجب وقيل في المحرم سنة 12هـ.

الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النباج (قرية في منتصف الطريق بين مكة والبصرة) والحجاز، فكتب إليه بأن يغزو العراق من شماله الشرقي بادئاً بالمصيخ، وهي موضع على حدود الشام مما يلي العراق، وقال له: «سر حتى المصيخ وابدأ بها، ثم ادخل العراق من أعلاها حتى تلقى خالداً».

وكتب أبو بكر إلى خالد وعياض: «ثم يستبقان إلى الحيرة، فأيهما سبق إلى الحيرة أمير على صاحبه»، وقال: «إذا اجتمعتما إلى الحيرة وقد فضضتما مسالح فارس وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخرُ على عدو الله وعدوكم من أهل فارس دارَهم ومستقرَّ عزهم: المدائن». كان هدفُ الخليفة أبي بكر السيطرةَ على الحيرة لأهميتها العسكرية، فقد كانت قلب العراق وأقرب منطقة مهمة إلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسية، كما كانت مهمة للقوات الإسلامية في قتالها الروم في بلاد الشام.

وقعت معارك رهيبة بين الفرس وجيوش المسلمين بقيادة خالد بن الوليد كان النصر فيها للمسلمين كمعركة ذات السلاسل و معركة الثني ومعركة الولجة  و معركة أُليّس سحق فيها خالد بن الوليد جيوش الفرس و هزمهم هزائم غيرت مجرى التاريخ .

لاقت الجيوش الإسلامية صعوبة في مواجهة جيوش الإمبراطورية الرومانية لقوتها وكثرة عددها، وقد كان للروم في الشام جيشان كبيران: أحدهما في فلسطين والآخر في أنطاكية، وعندما شهد قائد الروم هرقل توغل الجيوش الإسلامية، أصدر أوامره لقواته بالتوجه لتدمير الجيوش الإسلامية الأربعة كل على حدة.

وقرر أبو بكر أن ينقل خالد بن الوليد بجيشه إلى الشام وأن يتولى قيادة الجيوش بها، لأن الأمر بالشام يحتاج إلى قائد صاحب قدرة عسكرية فائقة، وصاحب تجربة طويلة في المعارك، فحشد خالد جنوده وانطلق ليعبر إلى الشام عبر صحاري رهيبة، وبعد خمسة أيام من الترحال وصل جيش خالد إلى الشام، ففتح منطقة "أدك" صلحاً، ثم نزل "تدمر" فصالح أهلها، ثم أتى "القريتين" فقاتله أهلها فظفر بهم، ثم قصد "حوارين" وصار إلى موضع يعرف بالثنية، فنشر رايته وهي راية العقاب، فسمي ذلك الموضع بثنية العقاب، ثم سار حتى وصل إلى قناة بصرى، فوجد الصحابة تحاربها فصالحه صاحبها وسلمها إليه، ثم سار خالد وأبو عبيدة ومرثد وشرحبيل إلى عمرو بن العاص وقد قصده الروم، فكانت معركة أجنادين.

بعد انتصار المسلمين في أجنادين اجتمعوا في اليرموك، وتحركت جيوش الروم بقيادة "تيدور" ونزلت في منزل واسع الطعن واسع المطرد ضيق المهرب، وكان عدد المسلمين أربعين ألف مقاتل أو خمسة وأربعين ألفاً يقودهم خالد بن الوليد، وأما عدد الروم فيُقدَّر بمائتين وأربعين ألفاً بقيادة "تيدور"، فهزم جيش المسلمين جيوش الروم كان عدد قتلى الروم مائة وعشرين ألفاً، منهم ثمانون ألفاً مقيدون بالسلاسل وأربعون ألفاً مطلقون سقطوا جميعهم في الوادي.

وفاة الخليفة أبو بكر الصديق

في شهر جمادى الآخرة سنة 13هـ، مرض الخليفة أبو بكر واشتد به المرض، فلما ثقل واستبان له من نفسه، جمع الناس إليه فقال: «إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميتاً لما بي، وقد أطلق الله أيمانكم من بيعتي وحل عنكم عقدتي، ورد عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم من أحببتم، فإنكم إن أمَّرتم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي»، فتشاور الصحابة، ثم رجعوا إلى أبي بكر فقالوا: «رأيُنا يا خليفة رسول الله رأيُك»، قال: «فأمهلوني حتى أنظر لله ولدينه ولعباده»، ثم وقع اختيار أبي بكر بعد أن استشار بعض الصحابة على عمر بن الخطاب، ثم كتب عهداً مكتوباً يُقرأ على الناس، وكان نص العهد:

بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا خارجاً منها، وعند أول عهده بالآخرة داخلاً فيها، حيث يؤمن الكافر ويوقن الفاجر ويصدق الكاذب، إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا، وإني لم آل الله ورسوله ودينه ونفسي وإياكم خيراً، فإن عَدَلَ فذلك ظني به وعلمي فيه، وإن بَدّلَ فلكل امرئ ما اكتسب، والخير أردت ولا أعلم الغيب: «وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون» .

وقد روت السيدة عائشة خبر وفاة أبيها أبي بكر فقالت: «أول ما بُدئ مرض أبي بكر أنه اغتسل وكان يوماً بارداً، فحم خمسة عشر يوماً لا يخرج إلى صلاة، وكان يأمر عمر بالصلاة وكانوا يعودونه، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه»، وقالت السيدة عائشة: قال أبو بكر: «انظروا ماذا زاد في مالي منذ دخلت في الإمارة فابعثوا به إلى الخليفة بعدي»، فنظرنا فإذا عبد نوبي كان يحمل صبيانه، وإذا ناضح (البعير الذي يُستقى عليه) كان يسقي بستاناً له، فبعثنا بهما إلى عمر، فبكى عمر، وقال: «رحمة الله على أبي بكر لقد أتعب من بعده تعباً شديداً».

واستمر مرض أبي بكر مدة خمسة عشر يوماً، حتى مات يوم الاثنين ليلة الثلاثاء 22 جمادى الآخرة سنة 13هـ، قالت السيدة عائشة: إن أبا بكر قال لها: «في أي يوم مات رسول الله ، قالت: «في يوم الاثنين»، قال: «إني لأرجو فيما بيني وبين الليل، ففيم كفنتموه؟»، قالت: «في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة»، فقال أبو بكر: «انظري ثوبي هذا فيه ردع زعفران أو مشق فاغسليه واجعلي معه ثوبين آخرين»، فقيل له: «قد رَزَقَ الله وأحسن، نكفنك في جديد»، قال: «إن الحي هو أحوج إلى الجديد ليصون به نفسه عن الميت، إنما يصير الميت إلى الصديد وإلى البلى».

وقد أوصى أن تغسله زوجه أسماء بنت عميس، وأن يدفن بجانب النبي محمد، وكان آخرَ ما تكلم به أبو بكر قولَ الله تعالى: «توفني مسلماً وألحقني بالصالحين» وتوفي أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، استوفى سن النبي محمد، وغسلته زوجه أسماء بنت عميس، ودفن جانب النبي محمد، وقد جعل رأسه عند كتفي النبي، وصلى عليه خليفته عمر بن الخطاب، ونزل قبره عمر وعثمان وطلحة وابنه عبد الرحمن، وألصق اللحد بقبر النبي محمد.

وارتجت المدينة لوفاة أبي بكر، ولم تر المدينة منذ وفاة الرسول يوماً أكثر باكياً وباكية من ذلك المساء، وأقبل علي بن أبي طالب مسرعاً باكياً مسترجعاً، ووقف على البيت الذي فيه أبو بكر، فقال: «رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلفَ رسول الله وأنيسه، ومستراحه وثقته، وموضع سره ومشاورته»، إلى أن قال: «والله لن يصاب المسلمون بعد رسول الله بمثلك أبداً، كنت للدين عزاً وحرزاً وكهفاً، فألحقك الله عز وجل بنبيك محمد ، ولا حرمنا أجرك ولا أضلنا بعدك»، فسكت الناس حتى قضى كلامه، ثم بكوا حتى علت أصواتهم، وقالوا: «صدقت»

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية