في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

عقبة بن نافع فاتح بلاد المغرب

عقبة بن نافع فاتح بلاد المغرب
عقبة بن نافع فاتح بلاد المغرب 


عقبة بن نافع فاتح بلاد المغرب

عقبة بن نافع بن عبد القيس الفهري هو أحد كبار القادة العرب والفاتحين في صدر الإسلام، وقد ولد عقبة قبل الهجرة بسنة، أبوه نافع بن عبد القيس الفهري، أحد أشراف مكة وأبطالها أسلم قديماً، لذلك فقد ولد عقبة ونشأ في بيئة إسلامية خالصة.

اشترك عقبة وأبوه في الجيش الذي توجه لفتح مصر، بقيادة عمرو بن العاص، الذي توسم فيه خيراً، فأرسله إلى بلاد النوبة لفتحها، فلاقى مقاومة شرسة من النوبيين، لكنه مهد السبيل أمام من جاء بعده، ثم أسند إليه مهمة صعبة وهي قيادة دورية استطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الإفريقي، وتأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر ضد هجمات الروم وحلفائهم البربر، ثم شاركه في المعارك التي دارت في إفريقية «تونس حالياً»، فولاه عمرو برقة بعد فتحها، وعاد إلى مصر.

ظل عقبة بن نافع قائدا لحامية برقة، ونأى بنفسه عن أحداث الفتنة الكبرى، ووجه اهتمامه إلى الجهاد، ونشر الإسلام، وصد غزوات الروم، فلما استقرت الأمور العام «41 هـ - 661م»، وأصبح معاوية بن أبي سفيان خليفة للمسلمين، وأصبح معاوية بن حديج والياً على مصر، أرسل عقبة إلى الشمال الإفريقي في حملة جديدة لمواصلة الفتح الذي توقَّف أثناء الفتنة.

طهّر عقبة بن نافع المنطقة الممتدة من حدود مصر الغربية إلى بلاد أفريقيا من جميع المخالفين والأعداء، وأقدم عقبة على التغلغل في الصحراء بقوات قليلة، وخفيفة لشن حرب اتخذت شكل حرب العصابات الخاطفة ضد القوات الرومية النظامية الكبيرة، وقد استطاع عقبة أن يطهر المنطقة الشمالية من الحاميات الرومية المختلفة.

بعد ذلك خلف معاوية عقبة على إفريقية، وبعث إليه عشرة آلاف فارس، فتوغل بهم في صحراء بلاد المغرب لشن معارك خاطفة ضد القوات الرومية النظامية الكبيرة التي لا تستطيع مجاراة المسلمين في الحرب الصحراوية، واستطاع عقبة وجنوده القضاء على الحاميات الرومية حتى أتى وادياً فبنى به مدينته المشهورة «القيروان»، أي معسكر الجند، وبنى بها مسجداً لا يزال حتى الآن يعرف بجامع عقبة.

بناء القيروان

تم تخطيط مدينة القيروان على النمط الإسلامي، فالمسجد الجامع ودار الإمارة توأمان، لا ينفصل أحدهما عن الآخر، فهما دائمًا إلى جوار بعضهما، ويكونان دائمًا في قلب المدينة التي يخطتها المسلمون ويرتكزان في وسطها، وبينهما يبدأ الشارع الرئيسي للقيروان، الذي سيسمى باسم السماط الأعظم.

ثم ترك عقبة فراغًا حول المسجد ودار الإمارة في هيئة دائرة واسعة، ثم قسمت الأرض خارج الدائرة إلى خطط القبائل، ليكون استمرارًا للشارع الرئيسي في الاتجاهين إلى نهاية المدينة، وانجفل البربر من نواحي إفريقية إلى القيروان، وسكنوا حولها وكان الكثير منهم دخل في الإسلام، وشرعوا في تعلم اللغة العربية والقرآن الكريم وأمور دينهم وهكذا نشاهد فيما بين سنتي 50 و55هـ حركة قوية بدأت في تعريب الشمال الأفريقي.

كانت الدوافع السياسية والعسكرية والإدارية والدعوية دوافع قوية في قرار عقبة بن نافع في اتخاذ موقع القيروان، فقد تميز موقع القيروان بالآتي:

1- بأنه لا يبعد عن مركز القيادة العسكرية في الفسطاط إي بحر أو نهر، فهو يقع على الطريق البري الذي يربط بين الفسطاط (بمصر) وبين المغرب، ويبدو أن عقبة رحمه الله أخذ بنظرية عمر بن الخطاب في بناء الأمصار والمعسكرات بألا يفصلها فاصل من نهر أو بحر أو جسر عن المدينة أو مركز القيادة، وأن تكون على طرف البر أو أقرب إلى البر والصحراء.

2- بأنه يتمتع ببعض الإنتاجات والموارد الذاتية، فالمنطقة التي كان فيها موضع القيروان عبارة غيضة، كما أورد الجغرافيون، وكان مواجهًا لجبال أوراس، معقل قبائل البربر، إذن، فإنه كان في بقعة زراعية تتضمن بعض المحاصيل التي تكفل للمجاهدين المسلمين موردًا غذائيًّا مهمًّا.

3- إنشاء مدينة القيروان يعني أن إفريقية أصبحت ولاية إسلامية جديدة وجزءًا لا يتجزأ من العالم الإسلامي الكبير، وبالتالي سيعيش المسلمون فيها حياتهم العادية، على رأسها التعليم وبث الثقافة الإسلامية، فإن القيروان مدينة رسالة وعلى أهلها تلقى مسئولية نشر الإسلام في المغرب، فكما كانت منطلق الجيوش الفاتحة، كانت كذلك منطلق الدعاة إلى الأنحاء لنشر الإسلام، وقد شعر الصحابة بهذه المكانة للقيروان منذ تأسيسها.

3- لقد تم بناء الجامع وهو المدرسة الأولى في الإسلام، ولا شك أن الصحابة الذين كانوا في جيش عقبة قد جلسوا للتدريس فيه على النمط الموجود في مدن المشرق آنذاك، فقد كان مع عقبة أثناء تأسيس القيروان ثمانية عشر صحابيًّا، وقد مكثوا فيها خمس سنوات كاملة كان عملهم فيها، ولا شك، نشر اللغة العربية، وتعليم القرآن والسنة في جامع القيروان؛ وذلك أثناء بناء مدينة القيروان، حيث لم تكن هناك غزوات كبيرة تتطلب غيابًا طويلاً عن القيروان، أما في غزوة عقبة الثانية فقد كان معه خمسة وعشرون صحابيًّا، وسائر جيشه من التابعين، وقد انتشرت رواية الحديث النبوي الشريف في هذه الفترة مما دعا عقبة أن يوصي أولاده من ورائهم جميع المسلمين بتحري حديث الثقات وعدم كتابة ما يشغلهم عن القرآن.

4- استقطبت القيروان أعدادًا هائلة من البربر المسلمين الذين جاءوا لتعلم الدين الجديد، قال ابن خلدون عند حديثه عن عقبة: فدخل إفريقية وانضاف إليه مسلمة البربر، فكبر جمعه ودخل أكثر البربر في الإسلام ورسخ الدين، ولا شك أن الفاتحين قد خصصوا لهم من يقوم بهذه المهمة.

أصبحت القيروان مركز لنشر الإسلام في سائر بلاد المغرب، فقد بنى عقبة بالمغربين الأقصى والأوسط عدة مساجد لنشر الإسلام بين البربر، كما ترك صاحبه شاكرًا في بعض مدن المغرب الأوسط لتعليم البربر الإسلام، ولما جاء أبو المهاجر دينار لولاية إفريقية تألف كُسيلة وقومه وأحسن إلى البربر، فدخلوا في دين الله أفواجًا .

وعزّز حسان بن النعمان - فيما بعد جهود عقبة بنشر الإسلام بين البرير حيث خصّص ثلاثة عشر فقيهًا من التابعين لتعليم البربراللغة العربية والفقه ومبادئ الإسلام، وواصل موسى بن نُصير هذه المهمة بأمره العرب أن يعلّموا البربر القرآن وأن يفقّهوهم في الدِّين، وترك في المغرب الأقصى سبعة وعشرين فقيهًا لتعليم أهله.

الموقع الجغرافي لمدينة القيروان كان له دور كبير في إثراء الحياة العلمية وإنعاشها، فقد كانت في موقع متوسط بين الشرق والغرب يمرّ بها العلماء والطلبة من أهل المغرب والأندلس في ذهابهم إلى المشرق، فيسمعون من علمائها، وكثير منهم يصبح أهلاً للعطاء عند عودته فيسمع منه أهلها، كما كان يدخلها من يقصد المغرب أو الأندلس من أهل المشرق.

كرامات لعقبة و أصحابه

كان موقع القيروان منطقة أحراش مليئة بالوحوش والحيات، فقال له رجاله: إنك أمرتنا بالبناء في شعاب لا ترام، ونحن نخاف من السباع و الذئاب والحيّات وغير ذلك من دواب الأرض، وكان في عسكره ثمانية عشر رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال: إني داعٍ فأمّنوا، وبالفعل دعا الله تعالى طويلاً والصحابة والناس يأمّنون، ثم إتجه عقبة مخاطبًا سكان الوادي: أيتها الحيّات والسباع و الذئاب ، نحن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فارتحلوا عنا فإنا نازلون، نمهلكم ثلات فمن وجدناه بعد ذلك قتلناه.

فكانت المفاجأة حيث خرجت السباع من الأحراش تحمل أشبالها والذئب يحمل جروه، والحيّات تحمل أولادها، في مشهد لا يرى مثله في التاريخ، فنادى عقبة في الناس: كفوا عنهم حتى يرتحلوا عنا.

دخل كثير من البربر الإسلام بعد مشاهدتهم هذا المشهد المؤثر و عرفو ان الإسلام دين الحق فأصبحو من جنود الدعوة الإسلامية وسط قبائلهم .

مواصلة الجهاد

في السنة «55هـ - 675م» وبعد أن انتهى عقبة من بناء القيروان ومسجدها الجامع، عزله معاوية وولَّى بدلاً منه أباً المهاجر بن دينار الذي اشتهر بالكفاءة وحُسن القيادة، فامتثل القائد المظفَّر الذي فتح معظم الشمال الإفريقي، وحقق بطولات فائقة وانتظم في سلك الجندية.

بعد وفاة معاوية وفي خلافة ابنه يزيد أعاد عقبة للولاية الثانية سنة 62هـ - 682م، وانتقل أبو المهاجر إلى صفوف الجنود، قرر عقبة استئناف مسيرة الفتح من حيث انتهى أبو المهاجر، وكانت مدينة طنجة هي آخر المحطات، قرر الانطلاق لمواصلة الجهاد مروراً بطنجة وما حولها، انطلق وجنوده من القيروان، ففتح مدينة بجاية، ثم تلمسان، وهي من أكبر المدن في المغرب الأوسط، وكان بها جيش ضخم من الروم والبربر، ودارت معركة هائلة، تحقق النصر في نهايتها للمسلمين، واضطر الأعداء للتراجع.

انتقل عقبة لفتح أكبر مدينة في الزاب وتسمى «أربة»، وكان حولها 360 قرية، ففتحها، ورحل بعدها إلى مدينة تاهرت، فأرسلت الحامية الرومية استغاثة إلى قبائل البربر الوثنية، فانضموا إليهم، والتقى الفريقان في معركة فاصلة، وانتصر المسلمون، وتوجه إلى البربر، واخترق البلاد وهزم كل قبائلها.

استشهاد عقبة بن نافع

عدما حقق عقبة غايته وفتح الشمال الإفريقي، قرر العودة إلى القيروان، فلما وصل إلى طنجة أَذِن لمن معه أن يتفرقوا، وتوجه مع 300 من أصحابه إلى مدينة «تهوذة»، فلما رآه الروم في عدد قليل أغلقوا باب الحصن، واتفق كسيلة مع الروم للهجوم على عقبة وأصحابه، وقد اشتدت المعركة، وصمد عقبة بن نافع ورجاله، حتى استشهدوا جميعاً سنة 63 هـ - 683م.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية