في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

الكفاح الموريسكي بالأندلس حرب البشرات

الكفاح الموريسكي بالأندلس حرب البشرات
الكفاح الموريسكي بالأندلس حرب البشرات


الكفاح الموريسكي بالأندلس حرب البشرات

ثورة البشرات (1499 - 1501) كانت سلسلة من الثوراث التي بدأها السكان المسلمون في مملكة غرناطة التابعة لتاج قشتالة ضد الحكام الكاثوليكيين. بدأت الثورات بعام 1499 بمدينة غرناطة ردًا على التنصير الإجباري الذي كان يعتبر إنتهاكًا لمعاهدة غرناطة التي وُقعت بعام 1491. توقفت الثورة في المدينة بسرعة، ولكن اتبعتها ثورات أقوى في منطقة البشرات المجاورة. القوات الكاثوليكية، التي قادهًا أحيانًا الملك فرناندو بنفسه، نجحت في إخماد الثورات وألحقت عقوبات قاسية على المسلمين.

فحرب البشرات هي ثورة قام بها المورسكيون في الأندلس ضد مملكة قشتالة, استخدم الحكام الكاثوليكيين هذه الثورات كمبرر للقضاء على معاهدة غرناطة وحقوق المسلمين التي ضمنتها، كانت إمارة غرناطة آخر منطقة يحكمها المسلمون في شبه الجزيرة الإيبيرية. في يناير 1492، بعد حملة دامت عقدًا كاملًا، استسلم محمد الثاني عشر وسلم الإمارة للقوات الكاثوليكية التي قادها الحاكمان الكاثوليكيان فرناندو الثاني وإيزابيلا الأولى. معاهدة غرناطة، التي وُقعت بنوفمبر من عام 1491، ضمنت مجموعة من الحقوق لمسلمي غرناطة (مثل التسامح الديني والمعاملة الحسنة) مقابل الاستسلام.

واستمر الموريسكيون على عزمهم وأهبتهم، وأرسلت خطابات عديدة من ابن فرج وزملائه إلى مختلف الأنحاء يدعون فيها إخوانهم إلى التأهب وإخطار سائر إخوانهم. وفى شهر ديسمبر سنة 1568 وقع حادث كان نذير الانفجار، إذ اعتدى الموريسكيون على بعض المأمورين والقضاة الإسبانيين فى طريقهم إلى غرناطة، ووثبت جماعة منهم فى نفس الوقت بشرذمة من الجند، كانت تحمل كمية كبيرة من البنادق، ومثّلت بهم جميعاً.

وفى الحال سار ابن فرج على رأس مائتين من أتباعه، ونفذ إلى المدينة ليلا، وحاول تحريض مواطنيه فى "البيازين" على نصرته، ولكنهم أبوا أن يشتركوا فى مثل هذه المغامرة الجنونية. ولقد كان موقفهم حرجاً فى الواقع، لأنهم يعيشون إلى جانب النصارى على مقربة من الحامية، وهم أعيان الطائفة ولهم فى غرناطة مصالح عظيمة، يخشون عليها من انتقام الإسبان. بيد أنهم كانوا يؤيدون الثورة: يؤيدونها برعايتهم ونصحهم ومالهم؛ فارتد ابن فرج على أعقابه واجتاز شعب جبل شلير (سيرّا نفادا) إلى الهضاب الجنوبية، فيما بين بلّش وألمرية.

فلم تمض بضعة أيام، حتى عم ضرام الثورة جميع الدساكر والقرى الموريسكية فى أنحاء البشرات، وهرعت الجموع المسلحة إلى ابن فرج، ووثب الموررسكيون بالنصارى القاطنين فيما بينهم، ففتكوا بهم ومزقوهم شر تمزيق.

كانت غرناطة فى أثناء ذلك ترتجف سخطاً وروعاً، وكان حاكمها المركيز دى منديخار يتخذ الأهبة لقمع الثورة منذ الساعة الأولى. بيد أنه لم يكن يقدر مدى الإنفجار الحقيقى، فغصت غرناطة بالجند، ووضع الموريسكيون أهل البيازين تحت الرقابة، رغم احتجاجاتهم وتوكيدهم بأن لا علاقة لهم بالثائرين من مواطنيهم؛ وخرج منديخار من غرناطة بقواته فى 2 يناير سنة 1569، تاركاً حكم المدينة لابنه الكونت تندليا، وعبر جبل شلير (سيرّا نفادا)، وسار توًّا إلى أعماق البشرات حيث يحتشد جيش الثوار. وكانت الثورة الموريسكية فى تلك الأثناء قد عمت أنحاء البشرات الشرقية والجنوبية، واضطرمت فى أجيجر وبرجة وأدرة وأندرش ودلاية ولوشار ومرشانة وشلوبانية وغيرها من البلاد والقرى.

اندلع لهيب الثورة فى أنحاء الأندلس، ودوت بصيحة الحرب القديمة، وأعلن الموريسكيون استقلالهم، واستعدوا لخوض معركة الحياة أو الموت. وبدأ الزعماء باختيار أمير يلتفون حوله، ويكون رمز مُلْكهم القديم، فوقع اختيارهم على فتى من أهل البيازين يدعى الدون فرناندو دى كردوبا وفالور .

وكان هذا الإسم النصرانى القشتالى، يحجب نسبة عربية إسلامية رفيعة. ذلك أن فرناندو دى فالور كان ينتمى فى الواقع إلى بنى أمية، وكان إسمه محمد بن أمية وهو سليل الملوك والخلفاء، الذى سطعت فى ظلهم الدولة الإسلامية فى الأندلس، زهاء ثلاثة قرون. وكان فتى فى العشرين تنوه الرواية القشتالية المعاصرة بوسامته ونبل طلعته، وكان قبل انتظامه فى سلك الثوار مستشاراً ببلدية غرناطة، ذا مال ووجاهة. وكان الأمير الجديد يعرف خطر المهمة التى انتدب لها، وكان يضطرم حماسة وجرأة وإقداماً.

وهكذا عاد النضال إلى أشده، وخشى الإسبان من احتشاد الموريسكيين فى البيازين ضاحية غرناطة، فصدر قرار بتشريدهم فى بعض الأنحاء الشمالية. وكانت مأساة جديدة مزقت فيها هذه الأسر التعسة، وفرق فيها بين الآباء والأبناء والأزواج والزوجات، فى مناظر مؤثرة تذيب القلب، وسار المركيز لوس فيليس فى نفس الوقت إلى مقاتلة الموريسكيين، فى سهول المنصورة على مقربة من أراضى مرسية.

ونشبت بينه وبينهم وقائع غير حاسمة، ولم يستطع متابعة القتال لنقص فى الأهبة والمؤن، وكان بينه وبين زميله منديخار خصومة ومنافسة، كانتا سبباً فى اضطراب الخطط المشتركة. واتهم منديخار بالعطف على الموريسكيين فاستدعى إلى مدريد، وأقيل من القيادة، واتخذت مدريد خطوتها الجديدة الحاسمة فى هذا الصراع الذى لا رحمة فيه ولا هوادة.

بينما كانت هذه الحوادث والمعارك الدموية تضطرم فى هضاب الأندلس وسهولها وتحمل إليها أعلام الخراب والموت، إذ وقع فى المعسكر الموريسكى حادث خطر، هو مصرع محمد بن أمية. وكان مصرعه نتيجة المؤامرة والخيانة، وكانت عوامل الخلاف والحسد، تحيط هذا العرش بسياج من الأهواء الخطرة. وكان محمد بن أمية يثير بين مواطنيه بظرفه ورقيق شمائله كثيراً من العطف، ولكنه كان يثير بصرامته وبطشه، الحقد فى نفوس نفر من ضباطه.

اختار الزعماء ملكاً جديداً هو ابن عبو، واسمه الموريسكى ديجو لوبيث، وهو ابن عم الملك القتيل، فتسمى بمولاى عبد الله محمد، وأعلن ملكاً على الأندلس بنفس الاحتفال المؤثر الذى وصفناه. وكان مولاى عبد الله أكثر فطنة وروية وتدبراً، فحمل الجميع على احترامه، واشتغل مدى حين بتنظيم الجيش، واستقدم السلاح والذخيرة من ثغور المغرب، واستطاع أن يجمع حوله جيشاً مدرباً قوامه زهاء عشرة آلاف، بين مجاهد ومرتزق ومغامر.

وفى أواخر أكتوبر سنة 1569 سار مولاى عبد الله بجيشه صوب "أرجبة" وهى مفتاح غرناطة، واستولى عليها بعد حصار قصير، فذاعت شهرته وهرع الموريسكيون فى شرق البشرات إلى إعلان طاعته، وامتدت سلطته جنوباً حتى بسائط رندة ومالقة، وكثرت غارات الموريسكيين على فحص غرناطة La Vega، وقد كان قبل سقوطها ميدان المعارك الفاصلة بين المسلمين والنصارى، وكان فيليب الثانى حينما رأى استفحال الثورة الموريسكية، وعجز القادة المحليين عن قمعها، قد عين أخاه الدون خوان قائداً عاماً لولاية غرناطة؛ ولما رأى الدون خوان اشتداد ساعد الموريسكيين اعتزم أن يسير لمحاربتهم بنفسه، فخرج فى أواخر ديسمبر على رأس جيشه، وسار صوب وادى آش، وحاصر بلدة "جليرا" وهى من أمنع مواقع الموريسكيين، وكان يدافع عنها زهاء ثلاثة آلاف موريسكى، منهم فرقة تركية، فهاجمها الإسبان عدة مرات وصوبوا إليها نار المدافع بشدة، فسقطت فى أيديهم بعد مواقع هائلة، أبدى فيها الموريسكيون والنساء الموريسكيات أعظم ضروب البسالة، وقتل عدد من الأكابر الإسبان وضباطهم، ودخلها الإسبان دخول الضوارى المفترسة، وقتلوا كل من فيها ولم يفروا من النساء والأطفال، وكانت مذبحة كبيرة (فبراير سنة 1570).

وتوغل الدون خوان بعد ذلك فى شعب الجبال حتى سيرون الواقعة على مقربة من بسطة، وكانت هنالك قوة أخرى من الموريسكيين بقيادة زعيم يدعى"الحبقى" تبلغ بضعة آلاف، ففاجأت الإسبان فى سيرون ومزقت بعض سراياهم، وأوقعت الرعب والخلل فى صفوفهم، وقتل منهم عدد كبير، ولم يستطع الدون خوان أن يعيد النظام إلا بصعوبة؛ فجمع شتات جيشه، وطارد الموريسكيين، واستمر فى سيره جنوباً حتى وصل إلى أندرش فى مايو سنة 1570.

وهنا رأت الحكومة الإسبانية أن تجنح إلى شىء من اللين، خشية عواقب هذا النضال الرائع، فبعث الدون خوان رسله إلى الزعيم "الحبقى" يفاتحه فى أمر الصلح، وصدر أمر ملكى بالوعد بالعفو عن جميع الموريسكيين الذين يقدمون خضوعهم فى ظرف عشرين يوماً من إعلانه، ولهم أن يقدموا ظلاماتهم، فتبحث بعناية، وكل من رفض الخضوع، ما عدا النساء والأطفال دون الرابعة عشرة، قضى عليه بالموت. فلم يصغ إلى النداء أحد. ذلك أن الموريسكيين أيقنوا نهائياً أن اسبانيا النصرانية لا عهد لها ولا ذمام، وأنها غير أهل للوفاء، فعاد الدون خوان إلى استئناف المطاردة والقتال، وانقض الإسبان على الموريسكيين محاربين ومسالمين، يمعنون فيهم قتلا وأسراً، وسارت قوة بقيادة دون سيزا إلى شمال البشرّات، واشتبكت مع قوات مولاى عبد الله فى معارك غير حاسمة، وسارت مفاوضات الصلح فى نفس الوقت عن طريق الحبقى، وكان مولاى عبد الله قد رأى تجهم الموقف، ورأى أتباعه ومواطنيه يسقطون من حوله تباعاً، والقوة الغاشمة تجتاح فى طريقها كل شىء، فمال إلى الصلح والمسالمة، واستخلاص ما يمكن استخلاصه من برائن القوة القاهرة.

وتقدم للوساطة بين الثوار وبين الدون خوان كبير من أهل وادى آش يدعى الدون فرناندو دى براداس، وكانت له صلات طيبة مع زعماء الموريسكيين قبل الثورة.

وكتب الدون ألونسو دى فنيجاس (بنيغش) أيضاً إلى مولاى عبده الله يحثه على المسالمة، والتنكب عن هذا الطريق الخطر، ورد عليه عبد الله يلقى المسئولية على أولى الأمر، وعلى ما أحدثوه من بدع جعلت الحياة مستحيلة على الشعب الموريسكى . وجرت المفاوضات بين الزعيم الحبقى قائد قوات الثورة، وبين الدون هرناندو دى براداس، واتفق فى النهاية على أن يتقدم الحبقى إلى الدون خوان بإعلان خضوعه، وطلب العفو لمواطنيه، فيصدر العفو العام عن الموريسكيين، وتكفل الحكومة الإسبانية حمايتها لهم أينما ارتأت مقامهم. وفى ذات مساء سار الحبقى فى سرية من فرسانه إلى معسكر الدون خوان فى أندرش، وقدم له الخضوع وحصل على العفو المنشود.

ولكن هذا الصلح لم يرض بالأخص مولاى عبد الله وباقى الزعماء، لأنهم لمحوا فيه نية اسبانيا النصرانية فى نفيهم ونزعهم عن أوطانهم، ففيم كانت الثورة إذاً وفيم كان النضال؟ لقد ثار الموريسكيون لأن اسبانيا أرادت أن تنزعهم لغتهم وتقاليدهم، فكيف بها إذ تعتزم أن تنزعهم ذلك الوطن العزيز، الذى نشأوا فى ظلاله الفيحاء، والذى يضم تاريخهم وكل مجدهم وذكرياتهم؟ أنكر الموريسكيون ذلك الصلح المجحف، وارتاب مولاى عبد الله فى موقف الحبقى، إذ رآه يروج لهذا الصلح بكل قواه، ويدعو إلى الخضوع والطاعة للعدو، فاستقدمه لمعسكره بالحيلة وهنالك أعدم سراً.

ووقف الدون خوان على ذلك بعد أسابيع من الانتظار والتريث، وبعث رسوله إلى مولاى عبد الله، فأعلن إليه أنه يترك الموريسكيين أحراراً فى تصرفاتهم. بيد أنه يأبى الخضوع ما بقى فيه رمق ينبض، وأنه يؤثر أن يموت مسلماً مخلصاً لدينه ووطنه، على أن يحصل على مُلْك اسبانيا بأسره. والظاهر أن مولاى عبد الله كانت قد وصلته أمداد من المغرب شدت أزره وقوّت أمله، وعادت الثورة إلى اضطرامها حول رندة، وأرسل مولاى عبد الله أخاه الغالب ليقود الثوار فى تلك الأنحاء، وثارت الحكومة الإسبانية لهذا التحدى، واعتزمت سحق الثوار بما ملكت، فسار الدون خوان فى قواته إلى وادى آش، وسار جيش آخر من غرناطة بقيادة دون ركيصانص إلى شمال البشرّات، وسار جيش ثالث إلى بسائط رندة، واجتاح الإسبان فى طريقهم كل شىء، وأمعنوا فى التقتيل والتخريب، وعبثاً حاولت السرايا الموريسكية أن تقف فى وجه هذا السيل فمزقت تباعاً، وهدم الإسبان الضياع والقرى والمعاقل، وأتلفت الأحراش والحقول، حتى لا يبقى للثائرين مثوى أو مصدر للقوت، وأخذت الثورة تنهار بسرعة، وفر كثير من الموريسكيين إلى إخوانهم فى إفريقية، ولم يبق أمام الإسبان سوى مولاى عبد الله وجيشه الصغير. بيد أن مولاى عبد الله لبث معتصما بأعماق الجبال، يحاذر الظهور أمام هذا السيل الجارف.

وفى 28 أكتوبر سنة 1570، أصدر فيليب الثانى قراراً بنفى الموريسكيين من مملكة غرناطة إلى داخل البلاد، ومصادرة أملاكهم العقارية، وترك أملاكهم المنقولة يتصرفون فيها. ويقضى هذا القرار بأن الموريسكيين فى غرناطة والفحص ووادى لكرين (الإقليم) وجبال بونتوفير حتى مالقة، وجبال رندة ومربلة، يؤخذون إلى ولاية قرطبة، ومن هنالك يفرقون فى أراضى ولايتى إسترامادورة وجليقية.

والموريكسيون فى وادى آش وبسطة ووادى المنصورة يؤخذون إلى جنجالة والبسيط ثم يفرقون فى أراضى قلعة رباح ومونتيل. والموريسكيون، فى ألمرية يؤخذون إلى ولاية إشبيلية. ونفذ القرار الجديد بمنتهى الصرامة والتحوط، وجمع الموريسكيون المسالمون من غرناطة وبسطة ووادى آش وغيرها، وسيقوا إلى الكنائس أكداساً، يحيط بهم الجند فى كل مكان، ونزعوا من أوطانهم وربوعهم العزيزة، وشتتوا على النحو المتقدم فى مختلف أنحاء قشتالة وليون .

ووقعت أثناء تنفيذ هذا القرار مناظر دموية، حيث جنح رجال الحكومة فى بعض الأنحاء ولاسيما فى رندة، إلى نهب المنفيين والفتك بالنساء والأطفال. ولما سمع الموريسكيون المعتصمون بالجبال هذه الأنباء انحدروا إلى السهل، وقتلوا كثيراً من الجند المثقلين بالغنائم. وكان مصير المنفيين مؤلماً، إذ هلك الكثير منهم من المشاق والمرض.

وعانى الذين سلموا منهم مرارة غربة جديدة مؤلمة، ونص على وجوب وضعهم تحت الرقابة الدائمة، وتسجيلهم وتسجيل مساكنهم فى سجلات خاصة، وعين لهم حيث وجدوا مشرفاً خاصاً يتولى شئونهم، وحرم عليهم أن يغيروا مساكنهم إلا بتصريح ملكى، وحرم عليهم بتاتاً أن يسافروا إلى غرناطة، وفرضت على المخالفين عقوبات شديدة تصل إلى الموت، وهكذا شرد الموريسكيون فى مملكة غرناطة أفظع تشريد، وانهار بذلك مجتمعهم القوى المتماسك فى الوطن القديم .

ولم يبق إلا أن يسحق مولاى عبد الله وجيشه الصغير، وكان هذا الأمير المنكود يرى قواه وموارده تذوب بسرعة، وقد انهار كل أمل فى النصر أو السلم الشريف، بيد أنه لبث مختفياً فى أعماق جبال البشرات بين آكام برشول وترفليس مع شرذمة من جنده المخلصين. وفى مارس سنة 1571 كشف بعض الأسرى سر مخبئه للإسبان، فأوفدوا رسلهم إلى معسكره فى بعض المغائر، وهنالك استطاعوا

إغراء ضابط من خاصته يدعى جونثالفو"الشنيش". وكان الشنيش يحقد عليه لأنه منعه من الفرار إلى المغرب، وأغدق الإسبان له المنح والوعود، وقطعوا له عهداً بالعفو الشامل، وضمان النفس والمال، وأن ترد إليه زوجته وابنته الأسيرتان، إذا استطاع أن يسلمهم مولاى عبد الله حياً أو ميتاً.

وكان الإغراء قوياً مثيراً، فدبر الضابط الخائن خطته لاغتيال سيده، وفى ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه، فقاوم مولاى عبد الله ما استطاع، ولكنه سقط أخيراً مثخناً بجراحه، فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكى يراها الجميع، ثم حملها الإسبان إلى غرناطة، وهناك استقبلوها فى حفل ضخم، ورتبوا موكباً أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل، وعليها ثياب كاملة كأنما هى إنسان حى، ومن ورائها أفواج كثيرة من الموريسكيين الذين سلموا عقب مصرع زعيمهم.

ثم حملت إلى النطع وأجرى فيها حكم الإعدام، فقطع رأسها ثم جرت فى شوارع غرناطة مبالغة فى التمثيل والنكال، ومزقت أربعاً، وأحرقت بعد ذلك فى الميدان الكبير، ووضع الرأس فى قرص من الحديد، وفع فوق سارية فى ضاحية المدينة تجاه جبال البشرات .

وهكذا انهارت الثورة الموريسكية وسحقت، وخبت آخر جذوة من العزم والنضال، فى صدور هذا المجتمع الأبى المجاهد، وقضت المشانق والمحارق والمحن المروعة، على كل نزعة إلى الخروج والنضال، وهبت روح من الرهبة والاستكانة المطلقة، على ذلك المجتمع المهيض المعذب، وعاش الموريسكيون لا يسمع لهم صوت، ولا تقوم لهم قائمة، فى ظل العبودية الشاملة والإرهاق المطلق، حقبة أخرى.

كان انهيار الثورة الموريسكية وسحق الموريسكيين، خاتمة عهد من الكفاح المرير بين شعب مهيض أعزل، يحاول أن يحتفظ بشخصيته وكرامته وحقه فى الحياة، وبين القوة الغاشمة، التى تريد أن تسحق فى بقية الأمة المغلوبة، كل أثر للحياة الحرة الكريمة، ولكن الثورة الموريسكية كانت من جهة أخرى، نذيراً عميق الأثر للسياسة الإسبانية. ذلك أن الموريسكيين لبثوا بالرغم من تجريدهم من كل مظاهر القوة المادية، قوة أدبية واجتماعية يخشى بأسها. وكان هذا الشعب المستكين الأعزل ما يزال رغم ضعفه وذلته، يملأ جنبات الجزيرة بفنونه ونشاطه المنتج، ويحتل مكانة بارزة فى الشئون الاقتصادية. وكانت الكنيسة ماتزال تنفث إلى الدولة تحريضها البغيض، على مجتمع لم تطمئن لولائه وصدق إيمانه.

وقد وصف المطران جريرو الموريكسيين فى سنة 1565 بقوله: "إنهم خضعوا للتنصير، ولكنهم لبثوا كفرة فى سرائرهم، وهم يذهبون إلى القداس تفادياً للعقاب، ويعملون خفية فى أيام الأعياد، ويحتفلون يوم الجمعة أفضل من احتفالهم بيوم الأحد، ويستحمون حتى فى ديسمبر، ويقيمون الصلاة خفية، ويقدمون أولادهم للتنصير خضوعاً للقانون، ثم يغسلونهم لمحو آثار التنصير، ويجرون ختان أولادهم، ويطلقون عليهم أسماء عربية، وتذهب عرائسهم إلى الكنيسة فى ثياب أوربية، فإذا عُدن إلى المنزل استبدلنها بثياب عربية، واحتفل بالزواج طبقاً للرسوم العربية".

والظاهر أن هذه الأقوال تنطوى على كثير من الصدق. ذلك أن الأمة الموريسكية المهيضة، بقيت بالرغم مما يصيبها من شنيع العسف والإرهاق، متعلقة بتراثها الروحى القديم. وبالرغم مما فرض على الموريسكيين من نبذ دينهم ولغتهم، فقد لبث الكثير منهم مسلمين فى سرائرهم، يزاولون شعائرهم القديمة خفية، ويكتبون أحكام الإسلام والأدعية والمدائح النبوية بالقشتالية الأصلية، أو بالقشتالية المكتوبة بأحرف عربية، وهى التى تعرف بالألخميادو Aljamiado أى "الأعجمية" وهو ما نعود إلى التحدث عنه بعد. وقد انتهى إلينا الكثير من الكتب الدينية والأدعية والمدائح الإسلامية الموريسكية مكتوبة "بالألخميادو" وكثير منها يدور حول سيرة النبى العربى، وشرح تعاليم القرآن والسنة، يتخللها كثير من الخرافات والأساطير المقدسة.

بيد أنها تدلى بما كانت تجيش به هذه النفوس المعذبة من إخلاص راسخ لدينها القديم، وإن التبست عليهم أصوله وشعائره بمضى الزمن. وقد لبث ديوان التحقيق على نشاطه ضد الموريسكيين طوال القرن السادس عشر، ولم يفتر هذا النشاط حتى أواخر هذا القرن، مما يدل على أن آثار الإسلام الراسخة بقيت بالرغم من كر الأعوام وتوالى المحن، دفينة فى قلب الشعب المضطهد، تنضح آثارها من آن لآخر. يدل على ذلك ما تسجله محفوظات الديوان، من أن قضايا الموريسكيين أمام محاكم التحقيق، بلغت فى سنة 1591، 291 قضية، وبلغت فى العام التالى 117 قضية، وظهر فى حفلة " الأوتو دافى " Auto da-fé التى أقيمت فى 5 سبتمبر سنة 1604 ثمانية وستون موريسكياً، نفذت فيهم الأحكام،وظفر فى حفلة 7 يناير سنة 1607 ثلاثة وثلاثون موريسكياً، واستعمل التعذيب فى محاكمتهم خمس عشرة مرة، وكان الإتهام يوجه أحياناً إلى الموريسكيين جملة، على أثر بعض الحملات الفجائية على المحلات المورريسكية، فقد حدث مثلا فى سنتى 1589 و 1590، أن سجلت فى قرية مسلاته الموريسكية بالقرب من بلنسية مائة قضية، وسجلت فى قرية كارليت مائتان، واتهم أربعون أسرة بصوم شهر رمضان.

كانت اسبانيا النصرانية إذاً، أبعد من أن تطمئن إلى مجتمع العرب المتنصرين، فقد كانوا فى نظر الكنيسة أبدا كفرة مارقين، وكانت الدولة من جانبها تلتمس المعاذير لاضطهاد هذا المجتمع الدخيل ومطاردته، فهى تخشى أن يعود إلى الثورة، وهى تخشى من صلاته المستمرة مع مسلمى إفريقية ومع سلطان الترك، وهى مازالت تحلم بتطهير اسبانيا من الآثار الأخيرة للشعب الفاتح، والقضاء إلى الأبد على تلك الصفحة من تاريخ اسبانيا.

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية