في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

معركة الهري المجيدة

معركة الهري المجيدة
معركة الهري المجيدة

معركة الهري المجيدة 

معركة الهري معركة خاضتها قبائل زيان الأمازيغية ضد فرنسا المحتلة آنذاك للمغرب، وذلك قرب قرية الهري (بالأمازيغية: لهری) على بعد 15 كم من مدينة خنيفرة، في 13 نوفمبر 1914. ولا يمكن الحديث في الحقيقة عن معركة الهري ذون ذكرالمقاوم البطل موحا أوحمو الزياني قائد و مخطط هذه المعركة التي سجلت أروع صور التضحية والشهامة للدفاع عن الوطن و الجهاد رفقة قبائل زيان الأطلسية و من تحالف معهم من القبائل الأمازغية الأخرى فسطْروا بطولات مجيدة كُتبت بدماء حمراء في صفحات التاريخ الحديث و المعاصرللمغرب وأضيفت إلى بطولات سجلها المغاربة ضد المستعمر الأجنبي سواءاَ الفرنسي أو الإسباني كمعركة أنوال و غيرها في القرن العشرين الميلادي. 

المجاهد البطل موحا أوحمو الزياني
المجاهد البطل موحا أوحمو الزياني
دوافـع معركة لهري

المقيم العام في المغرب ليوطي (1912-1925

بعدما أكملت فرنسا احتلال السهول والهضاب والمدن الرئيسية، وبعدما تمكن الجيش الفرنسي من ربط المغرب الشرقي بنظيره الغربي عبرتازة في ماي 1914، ولإحكام السيطرة على المنطقة إتجهت  أنظار إدارة المقيم العام ليوطي الاستعمارية نحو منطقة الأطلس المتوسط، وبالضبط إلى مدينة خنيفرة لتطويقها وكسر شوكة مقاومتها، في أفق فتح الطريق بين الشمال والجنوب عبر هذه القلعة الصامدة والتي شكلت حاجزا منيعا للمقاومة وإحدى المناطق التي اتخذها المقاومون مركزا للمقاومة و الكفاح ضد الاستعمارفي تلك المنطقة المنيعة بجبال الأطلس الشامخة.

قرر المحتل الفرنسي إخضاع جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصغير قصد تطويق المقاومة الأمازيغية و خنقها ومحاصرتها برا وجوا وبحرا من أجل فرض الأمن واستتباب الطمأنينة في نفوس المعمرين الأجانب و تأمينهم لاستغلال المغرب واستنزاف خيراته الاقتصادية. لكن احتلال المغرب ضمن أبعاد فرنسا الاستعمارية ونواياها المبيتة لن يكون في صالح الحكومة الحامية إلا بالاستيلاء على الأطلس المتوسط باعتباره ممرا إستراتيجيا يفصل الشمال عن الجنوب، ويفصل أيضا الغرب عن الشرق، ويهدد كذلك وجود فرنسا بالجزائر ومدينة وجدة والمغرب الشرقي الجنوبي ، ويهدد كل المناطق المتاخمة للحدود الجزائرية.

كما للأطلس المتوسط أهمية جغرافية واقتصادية على المستوى المائي والفلاحي والغابوي؛ لكونه خزْان إستراتجي للمياه و منبعا لكثير من الأنهار والمصبات بفضل كثرة الثلوج المتساقطة على المنطقة ، والتي تتحول إلى مجار وينابيع وعيون مائية تنساب في الكثير من الأنهار كنهر أم الربيع ونهر ملوية ووادي العبيد. وبالتالي، تساهم هذه الأنهار والأودية في إنشاء السدود وتوليد الطاقة الكهربائية، فضلا عن توفر الأطلس المتوسط على خط المواصلات المباشروطريق القوافل الذي يربط بين مراكش وفاس عبر أم الربيع ومدينة خنيفرة و يؤمن التجارة و تبادل السلع بين الشمال و الجنوب.

مدن الأطلس المتوسط

وقد دفع هذا الوضع الإستراتيجي الإقامة الفرنسية بالرباط إلى التفكير في احتلال الأطلس المتوسط لفتح الطرق والممرات البرية لتسهيل التواصل بين فاس ومراكش وتسخير خيرات الجبال لصالح فرنسا التي كانت تخوض حربا كونية ضد دول المحور التي كانت تتزعمها الإمبراطورية الألمانية بقيادة بسمارك. كما أن أغلب المقاومين الذين كانوا يحاربون فرنسا كانوا يحتمون بجبال الأطلس المتوسط ولاسيما المقاومين الزيانيين.

و قد أثبت ليوطي المقيم العام بالمغرب في 2 ماي 1914م دوافع احتلال الأطلس المتوسط حينما صرح قائلا:" إن بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن إصرار هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا، وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يكون خطرا فعليا على وجودنا، فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجإ وعتاد وموارد، وقربها من خطوط محطات الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الربيع".

ونفهم من خلال هذا التصريح أن خوض المعركة ضد الزيانيين بجبال الأطلس المتوسط فرضته دوافع إستراتيجية تتمثل في محاصرة المقاومة الأمازيغية التي كانت تساعد القبائل المجاورة والسهول المحتلة من قبل على التحرر والانعتاق من قبضة المحتل الفرنسي الذي بذل مجهودات جبارة من أجل السيطرة عليها وتطويعها.

المعركة

كانت سياسة المقيم العام الفرنسي ليوطي إذا أراد إحتلال منطقة ما ، أرسل إليها قوّة كبيرة مُدججة بأحذث الأسلحة ، لضمان التفوق العسكري و سرعة السيطرة بإعتباره يملك القوة النارية الأكبر على الأرض، ناهيك على التدريب العالي لجنوذه و ظُبّاطه بإعتبار أن الجيش الفرنسي كان من خيرة و أحذث الجيوش في العالم تسليحا و تدريبا آنذاك.

دخل الفرنسيون بقيادة الجنرال هنريس مدينة خنيفرة في 12 يونيو 1914م بجيش تجاوز تعداده ثلاثين ألف مقاتل ، أخبرت عيون المقاومة قائدهم حمو الزياني بتحرك جيش هنريس، فأرسل أولاده على رأس قوّة من المجاهدين في مكان يُسمى محور مريرت لتعطيل القوات الفرنسية المهاجمة وأمر بإخلاء خنيفرة و الصعود إلي هضاب منطقة لهري وهي قرية على مسافة 15 كيلومترا من خنيفرة. حيث يعتبر هذا المكان أنسب مكان من الناحية الإستراتجية فأمامه الهضاب و الجبال ووراءه الغابة و على يمينه و يساره نهرين هما واد سْرو و واد شبوكة هضاب مُحاطة بموانع طبيعية، فبدأ يشن هجماته المرات والمرات على مدينة خنيفرة، ودخل مع المحتل في مناوشات واصطدامات كثيرة انتهت بخسائر جسيمة في صفوف الجيش الفرنسي.

أُستدعي الجنرال دولافيردورللإلتحاق به في 26 يونيو 1914 و هو من خيرة جنرالات فرنسا المقاتلون، فقد قاتل في الهند الصينية والجزائر و السنغال قبل مجيئه للمغرب، و عيّن كقائد عسكري بعد ستّة أشهر من الإستعداد و التخطيط ، تحرٌك دولافردور من مكان يسمٌى هضبة تادلة على رأس جيش كبير مكوٌن من أربع فرق تضم 1300 جندي، معززة بالمدفعية الثقيلة و ذلك على الساعة الثانية ليلا ، وتوجه إلى معسكر لهري حيث قام بهجوم مباغت على الدواوير ومكان المجاهدين" في الساعة السادسة صباحا، إستنفرت نيران المدفعية كل القبائل الزيّانية و المتحالفة معهم خصوصا بعد وصول رسائل مشفرة متفق عليها مسبقا مع قائدهم موحا أحمو الزياني، بعد إنهاء الهجوم بالمدفعية الثقيلة و قتل الأبرياء من الشيوخ و النساء و الأطفال في الدواوير المجاورة؛ أمر دولافدور جيشه بالرجوع إلى قواعدة ظنٌا منه أنه سحق المجاهدون الذين فاجؤوه بهجوم مضاض فقد حاصرت هذه القبائل جميعها الجنود الفرنسيين من كل النواحي ، وطوقتهم بشكل مباغت ومفاجئ ، فواجهتهم بكل الأسلحة البسيطة الموجودة لديهم من بنادق وفؤوس وخناجر، وقد أبانت هذه القبائل عن شجاعة منقطعة النظيرو روح قتالية عالية ورغبة كبيرة في الانتقام من الغزاة الطامعين وحب كبيرلقائدهم البطل موحا أو حموالزياني .

طلب القواد مزيدا من التعزيزات والوحدات الإضافية بعد مقتل الكثير من الجنود والضباط ؛ و إنهزام جيشهم ، لكن موحا أوحمو لم يترك لهم فرصة الانسحاب، فتتبع قواتهم الفارة، فحاصرها من كل النواحي إلى أن فتك بالجنرال لاڤريدور عند نقطة بوزال؛ مما اضطر باقي جنوده إلى الإذعان والاستسلام لقائد قبائل زيان، بعد أن تمكنت المقاومة من القضاء على نصف القوات المهاجمة .

خسائر المعركة والغنائم


كانت معركة لهري بمثابة فاجعة بالنسبة للفرنسيين حتى قال الجنرال " كيوم " Guillaume أحد كبار الضباط الفرنسيين الذين شاركوا في الحملة لإخضاع قبائل الأطلس المتوسط في مؤلفه "البربر المغاربة وتهدئة الأطلس المتوسط (1939/1912): "لم تمن قواتنا قط في شمال إفريقيا بمثل هذه الهزيمة المفجعة" .
معركة الهري المجيدة
معركة الهري المجيدة
يقول محمد المختار السوسي في كتابه "المعسول" بأن معركة لهري أسفرت عن مقتل أكثر من عشرين شخصية عسكرية ذات الرتب العالية ناهيك عن أسر الكثير من الجنود، وفي هذا الباب يقول :" ومن أكبر الوقائع في الحروب وقعة الهري التي استوصل (قتل) فيها رؤساء جنود الفرنسيين أكثر من 20 فيهم الكولونيلات (colonels) والقبطانات (capitains) والفسيانات (officiers)، وتفصيلها أن العسكر الفرنسي تقدم بقوة عظيمة وتوغل في تلك الجبال إلى أن وصل الهري المذكور، فانقض عليه عسكر زيان( بزعامة موحا أوحمو الزياني) ومن معهم وسدوا عليهم المسالك التي سلكوها وجعلوا يقتلونهم كيف يشاؤون ويأسرون إلى أن أفنوهم".

ومن نتائج هذه المعركة مقتل 33 قتيلا من الضباط و650 قتيل من الجنود و176 جريح، وغنم المقاومون المغاربة كثيرا من العتاد العسكري الحديث ، فحصلوا على 3 مدافع كبيرة و10 مدافع رشاشة وعدد كبير من البنادق وعشرات الخيول المحملة بالذخيرة الحربية والمؤن.

عن الكاتب

بانوراما

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية