في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

النهضة العلمية عند المسلمين "المكتبات"

النهضة العلمية عند المسلمين "المكتبات"
النهضة العلمية عند المسلمين "المكتبات"


النهضة العلمية عند المسلمين "المكتبات"

يحرص الإسلام على العلم و التعلم في كل المجالات التي يمكن أن تنفع الإنسان في دينه ودنياه، فكانت أول آية من الوحي تنزل على الرسول صلّى الله عليه و سلّم هي " إقرأ بسم ربك"، و رفع الله درجات العلماء عن غيرهم فقال: بسم الله الرحمان الرحيم (( قلْ هلْ يسْتوي الذين يعْلمون والذين لا يعْلمون )) [الزمر:9] ، كما يرجع الفضل للنبي صلى الله عليه وسلم في أول استخدام لنظام الختم في شبه الجزيرة العربية، فقد عرف عنه كثرة استخدامه للوثائق المدونة في تصريف شؤون الدولة؛ حيث كان يمليها على الكُتّاب المكلفين بهم هذا العمل.

في معركة بدر رأى النبي ص أن بعض الأسرى يعرفون القراءة والكتابة، والمسلمون في ذلك الوقت لم يكن فيهم كثيرمن يقرأ ويكتب ، فكان يفتدي هؤلاء المشركين بأن يُعلِّم كلٌّ منهم عشرة من غلمان المدينة المنورة. وهنا النبي ص يعطي درسا لأصحابه فهو يريد أن يعلِّم الأمة القراءة والكتابة من أول أمرها، فاستثمر هذا الحدث العظيم؛ وهو وجود سبعين أسيرًا من المشركين، بعضهم يعرفون القراءة والكتابة في أن يعلِّم الأمة.

بداية الثورة المكتبية

نقل العرب الورق وفنون صناعته عن الصينيين، فأحدث الورق ثورة هائلة في مجالات التعليم والكتابة وتطور فنون الخط في الدولة الإسلامية، وانتشرت صناعة الورق في بغداد حتى إن الوزير العباسي جعفر بن يحيى البرمكي تمكن من استبدال الرقوق بالورق في جميع المعاملات الرسمية للدولة، ومع انتشار استخدامه، وتطور صناعته، أمسى الورق أكثر انخفاضًا في سعره مقارنة بالرقوق وأوراق البردي وغيرها، وتم التوسع في انتشار مصانع الورق في كافة مدن الديار الإسلامية، فازدهر سوق الكتاب، ونشأت تجارة ثقافية لاقت رواجًا منذ القرن الثاني الهجري، سُمي أصحابها بالورّاقين، الذين سرعان ما أصبح لهم حوانيتهم وأماكنهم المخصّصة في عاصمة الخلافة؛ فضلاً عن تأثيرهم القوي في نشر الثقافة والمعرفة في الحضارة الإسلامية

يعتمد العلامة الخطيب البغدادي (ت 463هـ)في موسوعة "تاريخ بغداد" في سَوْق الأخبار التاريخية على عدد من الوراقين جاؤوا في أكثر من 850 موضعًا من موسوعته؛ بل إن محمد بن إسحاق النديم صاحب أقدم موسوعة ببليوغرافية عربية كُتبت في القرن الرابع الهجري كان في الأصل ورّاقًا، جمع ما بين بيع الكتب ونشرها ونسخها وبين التأليف، وقد حفظ لنا كتابه "الفهرست" أهم العلوم والمعارف، وأسماء الكتب والمؤلفات في المجالات العلمية المختلفة حتى عصره في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري؛ أي قبل ألف عام، وفي تلك الموسوعة الفذّة نجد اهتمام المسلمين بكافة العلوم التي كانت متاحة لهم، ومصنّفة تصنيفًا دقيقًا في تلك الحقبة المبكرة مثل كتب الشرائع والنحو واللغة والتاريخ والأخبار والنسب والفقه والحديث والفلسفة والعلوم الطبيعية، فضلا عن مصنفات المذاهب والعقيدة.

بدا للوراقين شأن في تلك الفترة المبكرة من عمر الحضارة الإسلامية، خصوصا لمّا إنتشرت المكتبات عبر ربوع دولة الخلافة وبلاد المغرب والأندلس ، فكانت هاته المكتبات مؤسسات مستقلة ينفق عليها الأمراء والأثرياء والعلماء؛ لينتشر العلم بين الناس، خصوصًا في ذلك الزمن الذي كانت الكتب تنسخ على أيدي نسّاخين متخصصين، فكان يبلغ بذلك ثمن الكتاب حدّا قد يتعذّر على طالب العلم أو العالم الفقير شراؤه، ومن هنا كان قيام المكتبات في المجتمع الإسلامي منبعثًا من هذا الجانب الأخلاقي الذي يسد حاجة علمية كان المجتمع أحوج ما يكون لها و يعطي تكافئ للفرص بين الغني والفقير في العلم و التعلم.

فوُجدت المكتبات في قصور الخلفاء، وفي المدارس والكتاتيب والجوامع، وكما وُجدت في عواصم الولايات و في القرى النائية، والأماكن البعيدة؛ لتأصُّل حُبِّ العلم لدى أبناء الحضارة الإسلامية. و عرفت الحضارة الإسلامية أنواع من المكتبات بين المكتبات الأكاديمية وهي أشهر المكتبات في الحضارة الإسلامية، ومن أهمِّها مكتبة بغداد (بيت الحكمة)، المكتبات الخاصَّة وقد انتشر هذا النوع من المكتبات في جميع أنحاء العالم الإسلامي بشكل واسع وجيِّدٍ؛ ومن أمثلتها مكتبة الخليفة المستنصر، ومكتبة الفتح بن خاقان، الذي "كان يمشي والكتاب في كُمِّه ينظر فيه"، ومكتبة القاضي أبي المطرف، الذي "جمع من الكتب ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس".

مكتبات المساجد والجوامع ويُعْتَبَرُ هذا النوع من المكتبات الأوَّل في الإسلام؛ حيث نشأت المكتبات في الإسلام مع نشأة المساجد، ومن أمثلتها: مكتبة الجامع الأزهر، ومكتبة الجامع الكبير في القيروان، ومكتبة القرويين التي كانت في البداية مكتبة صغيرة أنشئت إلى جانب جامع القرويين لمساندة مهمته في التدريس، إلى أن قام السلطان أبو عنان المريني بالاعتناء بها رسميا عام 750 هـ/1349 م، ووضع لها قانونا للقراءة والمطالعة والنسخ وزودها بكتب نفيسة في مختلف العلوم والفنون لتصبح مكتبة أكادمية لأقدم جامعة في العالم "القرويين" ، و مكتبة الجامع الكبير في غرناطة، سعت الغالبية العظمى من مسلمي الأندلس إلى مساندة ودعم مكتبات المساجد، وقد ذكر المؤرخ الإسباني خوليان ريبيرا أن ابن لبّ المالقي الذي عاش مدة طويلة في غرناطة أوصى بجزء كبير من مكتبته الخاصّة إلى مكتبة الجامع الكبير".

المكتبات العامَّة وهي مؤسسات ثقافية يُحْفَظُ فيها تراث الإنسانية الثقافي وخبراتها؛ ليكون في متناول المواطنين من كافَّة الطبقات، والأجناس، والأعمار، والمهن، والثقافات؛ وكان من أشهرها مكتبة قرطبة التي أسَّسَهَا الخليفة الأموي الحكم المستنصر سنة (350هـ/ 961م) في قرطبة.

المكتبات المدرسية، انتشرت المدارس في الإسلام انتشارًا واسعًا في كل ربوع الرقعة الإسلامية شرقا و غربا، وقد أُلحقت بمعظم المدارس الإسلامية مكتبات، وهو الشيء الطبيعي المكمِّل لهذا الرقي والازدهارالحضاريّ، بنى الأميرنور الدين محمود مدرسة في دمشق وألحق بها مكتبة، وكذلك فعل صلاح الدين، أما القاضي الفاضِل وزير صلاح الدين فقد أسس مدرسة في القاهرة سماها الفاضلية، وأودع فيها حوالي مائتي ألف مجلد مما أخذه من خزائن العبيديين، ويذكر ياقوت الحموي عدة مدارس كانت في مرو، كانت تحوي في زمانه مكتبات ضخمة، وكانت أبوابها مفتوحة للجميع.

وكان "الإنفاق على المكتبات بصفة عامَّة في العالم السلامي من ريع الأوقاف التي تُوقَف عليها؛ حيث كانت الدولة تُخَصِّصُ لها أوقافًا مُعَيَّنَة، ويُقَدِّمُ لها بعض الأغنياء وأهل الخير أوقافًا تساعد في الإنفاق عليها".

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية