في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

الطبيب العالم إبن الجزّار

الطبيب العالم إبن الجزّار
الطبيب العالم إبن الجزّار 

الطبيب العالم إبن الجزّار 

هو الطبيب أبو جعفر أحمد بن إبراهيم أبي خالد القيرواني المعروف بابن الجزار القيرواني وهو أول طبيب مسلم يكتب في التخصصات الطبية المختلفة مثل طب الأطفال وطب المسنين، ولد في مدينة القيروان بالبلاد التونسية في حدود سنة 285 هـ/898 م لأسرة اشتهر أفرادها بالطب وتوفي فيها عام 369 هـ/979 م، و قيل أنه توفي عام 400 هـ/ 1010 م .

يعتبرابن الجزارمن أشهر فلاسفة وأطباء المسلمين في القرن الرابع الهجري الذين كان لهم فضلهم وأثرهم الباقي حتى يومنا هذا في الحضارة الإنسانية.

نشأته وحياته

وُلِدَ في القيروان، ولا يُعلم بالدقَّة تاريخ مولده، وقد توفي بها نحو عام (400هـ/ 1010م)، وقيل: توفي مقتولاً في الأندلس. وقد تتلمذ ابن الجزار على أبيه وعمه وكانا طبيبين حاذقين، كما تتلمذ على يد طبيب شهير في عصره هو إسحاق بن سليمان الإسرائيلي الذي ترك مصر وذهب إلى القيروان، والتي عَلَتْ فيها مكانته الطبية والعلمية بين الخاصَّة والعامَّة، فتخرَّج على يديه ابن الجزار واصبح من أعظم أطباء الحضارة الإسلامية في الغرب الاسلاميّ.

حادثة المنصور

ومن الحوادث العظيمة التي حدثت مع ابن الجزار، والتي كادت أن تودي بحياته في فترة مبكرة من فترات ممارسته لمهنة الطب، ما ذكره المقريزي عن إصابة المنصور -وهو أمير تونس- بمرض عُضال بسبب البرد الشديد والثلوج، التي تعرَّض لها في إحدى أسفاره، فأراد أن يدخل الحمّام وهو في طريق عودته، لكن طبيبه إسحاق بن سليمان الإسرائيلي -أستاذ ابن الجزار- نهاه عن ذلك، فكأن المنصور امتعض من فعل طبيبه ذلك، فقرَّر دخول الحمام؛ ففنيت الحرارة الغريزية منه، ولازمه السهر، فأخذ طبيبه يعالج المرض دون السهر، فاشتدَّ ذلك على المنصور، وقال لبعض خواصِّه: أما في القيروان طبيب غير إسحاق؟ فأُحضر إليه شاب من الأطباء يقال له: أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن أبي خالد بن الجزار، فجمع له أشياء مخدِّرة، وكلَّفه شمَّها، فنام، وخرج وهو مسرور بما فعله، فجاء إسحاق ليدخل على المنصور، فقيل له: إنه نائم. فقال: إن كان صنع له شيء ينام منه فقد مات. فدخلوا عليه فإذا هو ميت، فدفن في قصره. وأرادوا قتل ابن الجزار الذي صنع له المنوِّم، فقام معه إسحاق، وقال: لا ذنب له، بأنه فعل ما يفعله الأطباء و انما جهل أصل المرض و تشخيصه..

علمه و مكانته

كان من أهل الحفظ والتطلع والدراسة للطب وسائر العلوم. بلغت شهرته الأندلس والحوض الشمالي للبحر الأبيض المتوسط. وكان طلاب الأندلس يتوافدون إلى القيروان لتحصيل الطب من عنده. ترجم له كل من صاعد الأندلسي وابن أبي أصيبعة نقلت أعماله إلى جامعات ساليرنو ومونبيلييه.

عدّل ابن الجزار القوانين الطبية العامة وضبط أسماء النباتات بثلاث لغات هي العربية واليونانية والبربرية كماأنّه كان يؤكد على قاعدة ما زالت سارية المفعول: " يتداوى كل عليل بأدوية أرضه لأن الطبيعة تفزع إلى أهلها". يعتبر كتاب "زاد المسافر وقوت الحاضر" لابن الجزار، كتابا ذا قيمة طبية هائلة مازالت الكليات والجامعات تستفيد إلى حد الآن من أرائه. كانت علوم ابن الجزار تعتمد في الشرق العربي ويناقشها الكثير من ممارسي مهنة الطب، وكانت أيضا تنفذ إلى الأندلس، والملاحظ أن تلك الآراء الطبية الجريئة قد اقتحمت أوروبا في القرن العاشر الميلادي وذلك على اثر نقل قسطنطين الإفريقي لكتب ابن الجزار، كما أن نابليون بونابرت كان يحمل معه كتاب ابن الجزار (زاد المسافر وقوت الحاضر) وذلك أثناء الحملة الفرنسية على مصر.

كان ابن الجزار هادئاً يحضر الجنائز و الأفراح لكن لا يأكل فيها. وكان له احترام كبير لنفسه و قيل أنه لم يعرف عنه زلة قط بين الناس. كان يتجنب التسوية لذا لم يكن يحضر المحاكم ولم يكن من أعضاء نظام الحكم لذلك كان يتخذ الفقهاء قدوة في ذلك العصر.
يقول ابن أبي أصيبعة في (عيون الأنباء) إذ قال: "كان ابن الجزار من أهل الحفظ والتطلع والدراسة للطب وسائر العلوم، حَسَنَ الفهم لها، وقال سليمان بن حسَّان المعروف بابن جلجل: إن أحمد بن أبي خالد كان قد أخذ لنفسه مأخذًا عجيبًا في سمته وهديه وتعدده؛ ولم يُحفظ عنه بالقيروان زلَّة قط، ولا أخلدَ إلى لذَّة، وكان يشهد الجنائز والعرائس، ولا يأكل فيها؛ ولا يركب قط إلى أحد من رجال إفريقية، ولا إلى سلطانهم إلاَّ إلى أبي طالب عمِّ معدٍ (عم الأمير العُبيدي)، وكان له صديقًا قديمًا، فكان يركب إليه يوم جمعة لا غير، وكان ينهض في كل عام إلى رابطة على البحر المستنير، وهو موضع مرابطة مشهور البركة، مذكور في الأخبار، على ساحل البحر الرومي، فيكون هنالك طول أيام القيظ (الصيف)، ثم ينصرف إلى إفريقية، وكان قد وضع على باب داره سقيفة أقعد فيها غلامًا له، أعدَّ بين يديه جميع المعجونات والأشربة والأدوية، فإذا رأى القوارير بالغداة أمر بالجواز إلى الغلام، وأخذ الأدوية منه؛ نزاهة بنفسه أن يأخذ من أحد شيئًا".

من مصنفاته

صنف ابن الجزار القيرواني العديد من المصنفات والكتب المتنوعة، فله في كل بستان من المعرفة كتاب طيِّب الأثر، غزير المنفعة، ذكر الذهبي بعض مصنفاته فقال: "وله كتاب (زاد المسافر في علاج الأمراض)، وكتاب في الأدوية المفردة، وكتاب في الأدوية المركبة يعرف (بالبُغية)، وكتاب (العدة) وهو كتاب مطوَّل في الطب، و(رسالة النفس) وأقوال الأوائل فيها، وكتاب (طب الفقراء)، ورسالة في التحذير من إخراج الدم لغير حاجة، وكتاب الأسباب المولِّدة للوباء في مصر بطريق الحيلة في دفع ذلك، وكتاب المدخل إلى الطب سمَّاه (الوصول إلى الأصول)، وكتاب (أخبار الدولة وظهور المهدي بالمغرب".

على أن أشهر كتب ابن الجزار كتاب (زاد المسافر) فقد بقي هذا الكتاب من المراجع المهمَّة للباحثين وطلاب العلوم الطبية طيلة عقود من الزمن، ويتكون هذا الكتاب من جزأين يحتويان على سبع مقالات، تختصُّ في معالجة أمراض الكبد، والكُلَى، وأعضاء التناسل، وأمراض الجلد، والحميات، ولدغ الهوام، وأذى السموم، كما أنه لم يُهمل جانب الأدوية؛ فقد تحدَّث كثيرًا في هذا الكتاب عن تركيب عدد من الأدوية وعن كيفية استعمالها.

ومن الجدير بالذكر أن كتاب (زاد المسافر) ما زال مخطوطًا، وهو في مجلدين، وتوجد منه نسخ في مكتبة الشعب بباريس، ودرسدن بألمانيا، ورنبور بالهند، وهافانا بهولندا، وفي المغرب: وخزانة الرباط برقم (1718 د). وترجم هذا الكتاب إلى اللاتينية واليونانية والإيطالية، ومن هذه الترجمات مخطوطات أقدمها في الفاتيكان.

كان اهتمام إبن الجزار أيضًا بأن صنَّف للفقراء والمساكين دليلاً علاجيًّا، يستطيعون بما يملكون من مال على قلّته أن يهتدوا إلى الدواء المناسب لكل حالة، بما يحفظ صحتهم دون أن يكلفهم ما لا يملكون.

ثم انتقاله ليؤلف في صحة المسنين والكهول كذلك، وهذا يعطيينا فكرة عن ما كان يتمتع به ابن الجزار القيرواني من حسٍّ إسلامي وإنساني عميق.

ولم ينس ابن الجزار الأطفال والصبيان من تصانيفه الطبية الرائعة، فألف كتابه القيم (سياسة الصبيان وتدبيرهم)، الذي بقي أمدًا طويلاً من المراجع الأصيلة والأساسية في علاج أمراض الأطفال، وقد نهج ابن الجزار في هذا الكتاب منهج الاختصاص في مجال طب الأطفال، وهذا الكتاب -كما ذكر عدد من مؤرخي العلوم الطبية- يحتوي على معارف علمية تتَّفق كثيرًا مع طب الأطفال المعاصر.

وكتاب (سياسة الصبيان وتدبيرهم) مُؤَلَّف من اثنين وعشرين بابًا، يبحث في تدبير شئون المَوْلُودِين في حالة الصحة والمرض، وقد حقَّقَه الحبيب الهيلة ونُشر في تونس عام (1399هـ/1979م)، ويضم معلومات في:

- صفات المرضعة وطعامها ولبنها.
- وفيما يعيب الطفل بحسب سنِّه من الأمراض؛ كالإسهال، ورطوبة الأذنين، والتهاب السُّرَّة ونتوئها، ونحو ذلك.
- ومعالجة السعفة في رأس الطفل، وورم اليافوخ، وانتفاخ البطن.
- وأبواب أخرى في داء الصرع عند الصبيان.
- والوجع عند خروج الأسنان.
- وقروح الفم عند الأطفال.
- وأسباب القيء.
- وفي الحيات والدود المتولدة في الأمعاء، وفي الحصى المتولدة في المثانة، وغير ذلك[11].

ومن المؤلفات المعروفة لابن الجزار القيرواني، كتابه (الاعتماد) وهو مصنف في الأدوية المفردة، وما زال هذا الكتاب مخطوطًا، وتوجد منه نسخ في الجزائر وتركيا والمتحف البريطاني، وقد ألفه بطلب من ملوك الفاطميين في تونس، إذ كانت هذه الأنحاء في تلك الفترة داخلة في دولة الفاطميين (العبيديين).

ومن مؤلفاته أيضًا كتاب (البُغية) وهو كتاب آخر في الصيدلة، غير أنه على خلاف كتاب (الاعتماد) يبحث في الأدوية المركبة، وليست الأدوية المفردة. وكان رحمه الله موسوعيًّا، كتب في أكثر من علم، فإننا نجد من بين مؤلفاته كتبًا في علم التاريخ وعلم النفس، مثل (التعريف بصحيح التاريخ) الذي وصفه الزركلي في الأعلام بأنه "كبير"، وكتاب (دولة المهدي -العبيدي- وظهوره بالمغرب)، وكتاب (ذم إخراج الدم)، و(رسالة في النفس)، و(أسباب الوباء بمصر والحيلة في دفعه). رحم الله إبن الجزّار القيرواني فقد كان طبيب موسوعي من الأوائل الذين أسّسولطب المُسنين و طب الأطفال في العالم.

عن الكاتب

بانوراما

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية