في ظلال الحضارة الإسلامية في ظلال الحضارة الإسلامية
recent

آخر المقالات

recent
random
جاري التحميل ...

بداية النهضة العلمية عند المسلمين "الترجمة"

بداية النهضة العلمية عند المسلمين "الترجمة"
بداية النهضة العلمية عند المسلمين "الترجمة"


بداية النهضة العلمية عند المسلمين "الترجمة"


كان المسلمون حلقة مهمة تاريخيا في الحفاظ على التراث العلمي وتطويره ونقله إلى حضارات أخرى على مدى قرون عديدة…أول ذلك بدأ بالترجمة والنقل إلى اللغة العربية، العصر الأموي، برز خالد بن يزيد (توفي 704م)، يقول عنه الجاحظ في “البيان والتبيين: "كان خطيبا شاعرا وفصيحا جامعا، جيد الرؤى، كثير الأدب وكان أول من ترجم الطب والنجوم والكيمياء…". ولكن عرفت الترجمة حركة بارزة في العصر العباسي.

وقد ذكر ابن أبي أصيبعة أن عبدالملك بن أبجر الكناني، الذي أسلم على يد عمر بن عبدالعزيز في مصر، كان طبيبًا ماهرًا، درس في مدرسة الإسكندرية، ثم في أنطاكية وحران، أن عمر بن عبدالعزيز - بعد أن أفضت الخلافة إليه - كان يَستطبُّ ابن أبجر، ويَعتمد عليه في صناعة الطب، وقد كان غير ابن أبي أبجر أطباء ماهِرين، من أمثال: ابن أثال - طبيب معاوية بن أبي سفيان الخاص - وأبي الحكم الطبيب النصراني، وابنه الدمشقي، وكان يَلحق بأبيه في معرفته بالمُداواة والأعمال الطبية، والصفات البديعة، وتياذوق وكان طبيبًا فاضلاً، وله نوادر وألفاظ مُستحسَنة في صناعة الطب، وله كناش كبير في الطب ألَّفه لابنه.

وهكذا بدأ اتصال المسلمين بالطبِّ اليوناني، ولأول مرة في العصر الأُموي، ولكنه اتصال يَسير، ازداد على أشده مع الزمان في العصر العباسي؛ إذ بدأت حركة الترجمة المنظمة على أشدِّها للكتُب العلمية بوجه عام، والكتب الطبية بوجه خاص.

في العصر الأُموي كان اتصال المسلمين بالطبِّ اليوناني، ولأول مرة ، وتطوّرمع الزمان في العصر العباسي؛ إذ بدأت حركة الترجمة المنظمة على أشدِّها للكتُب العلمية بوجه عام، والكتب الطبية بوجه خاص. لقد كانت اللغة السريانية هي لغة معظم الكتب الدراسية العِلمية التي سادت حتى أواخر القرن الثاني الهجري (النصف الأول من القرن التاسع ميلادي) ؛ حيث نقلها السريان عن الكتب اليونانية، وما إن بدأ نجم هذا القرن بالأفول حتى احتلَّت الكتب العربية مركز الصدارة وزاد انتشارها.

اتَّضح مع مرور الوقت أن الترجمة السريانية لم تفِ بالغرض، ولم تُعطِ النصَّ حقَّه مِن الفهم والإدراك، لما ورد في أصول الكتب اليونانية، لذلك انكبَّ بعضهم - وقد أتقن اللغة اليونانية والسريانية والعربية معًا - على ترجمة الكتب عن اليونانية مباشرة، وقد كان كل مِن إسحاق وحبيش أذكى تلاميذ حنين، وعن طريق حنين وابنه وابن أخته نُقل معظم التراث العِلمي الضخم الذي خلفه جهابذة اليونان إلى اللغة العربية، وانتشر في العالم الإسلامي.

اقتصرت ترجمة حُنين بن إسحق وحبيش على الكتب الطبية، أما بقية المترجمين مِن أمثال ثابت بن قرة وابنه سنان، فقد انصرفوا إلى ترجمة البحوث الفلَكية والطبيعية والرياضية والفلسفية الإغريقية. ولأن المسلمين شُغلوا بنشر الإسلام وإيصال دعوة الله إلى شعوب الأرض، فما كان وقتهم ليتَّسع إلى تعلم اللغات الأجنبية؛ كاليونانية، أو السريانية أو القِبطية، أما وقد نشر الإسلام في شرق البلاد وغربها، فقد تغيَّر الوضع، فانصرفت طائفة من علماء المسلمين إلى العلوم الكونية؛ كالطبِّ، والفلَك، والرياضيات ، والصيدلة، والكيمياء، والفيزياء، و(الميكانيك)، والنبات، والحيوان، وغيرها مما يعود بالنفع على الإنسان.

ساهم الخلفاء العباسيون بأموالهم و سلطانهم في حركة الترجمة والتأليف، فكان لاعتنائهم واهتمامهم بالطبِّ الأثر الأعظم في التطور السريع الذي حَظي به الطب بخاصة، والعلوم الأخرى بعامة؛ فقد أُنشئ "بيت الحِكمة" في عهد الرشيد، وهو مكتبة هائلة، كانت خزانتها تحتوي على أعظم الكتُب في مختلف العلوم والفنون، كان حُنين بن إسحق من أشهر المترجمين من أهل الحيرة أبوه مسيحي (نسطوري) كان يبيع العقاقير، وكان حنين أعظم مترجمي مدرسة جنديسابور، ويعد أشهر من ترجموا العلوم اليونانية إلى العربية على الإطلاق، تعلم العربية في سن متأخرة، ومع ذلك، فاقت ترجماته كل ما سبقها.

كان الخليفة المأمون محبا للعلم. منذ صباه وهو يجالس العلماء، حتى قيل له، حسب ما يورده حسني سلامة: "إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه…".يقول ابن صاعد الأندلسي عن المأمون في “طبقات الأمم”: “لما أفضت الخلافة إلى الخليفة السابع (المأمون)، تمم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه، واستخرجه من معادنه بفضل همته الشريفة، وقوة نفسه الفاضلة”.

وضع الخليفة المأمون حُنين بن إسحق على رأس “بيت الحكمة“، وأنه منذ ذاك، سارت الترجمة قدما، حتى إنه لم يمض وقت طويل، حتى تيسر للطلاب أن يقرؤوا بالعربية قسما كبيرا من مؤلفات جالينوس وأبقراط وأقليدس وبطليموس وأرسطو وغيرهم. يذكر ابن العبري، في "تاريخ مختصر الدول"، أن ثابت بن قرة برع في ثلاث لغات؛ اليونانية، السريانية والعربية… ألف بالعربية نحو مائة وخمسين كتابا في المنطق والرياضيات والفلك والطب، وخمسة عشر كتابا آخر بالسريانية.

بعد وفاة المأمون، استمرت الحركة مع الخليفة المتوكل، إذ يروى أنه أغدق أموالا ضخمة على المترجمين الذين اهتموا بترجمة المخطوطات اليونانية في مختلف العلوم والمعارف. فعلوا ذلك حتى كادوا، يقول ابن القفطي في “إخبار العلماء بأخبار الحكماء”، لا يبقون على كتاب دون ترجمة أو دون شرح وتلخيص، فقد بلغ ما ترجمه الواحد منهم، ممن اتصف بالخبرة والدراية، مئات الكتب والرسائل.

استوعب المسلمون تلك الكتُب المُترجَمة وهضموها، فشرعوا بالتأليف - وكان ذلك في بحر القرن الثالث الهجري - في فروع المعرفة كافة، وكان لمؤلفاتهم الرائدة وأعمالهم الجليلة دور مُهمٌّ جدًّا في تطور العلوم جميعها وتقدمها في العالم. يقول جلال حسني سلامة، أستاذ التاريخ بجامعة القدس، في كتابه “الترجمة في العصر العباسي”، أن الفن المعماري، إذ كان السمة المميزة للحضارة العربية الإسلامية في العصر الأموي، دفع العباسيين إلى شد انتباه العالم عن ذلك، وجعله بالمقابل يلتفت إلى إنجاز علمي حقيقي.

هناك عوامل عديدة دفعت حركة الترجمة إلى البروز في العصر العباسي، منها:

كان المسلمون بحاجة إلى علوم تسهل عليهم القيام بواجباتهم الدينية، التي تحتاج إلى حساب وتقويم وتوقيت، هذا دون الحديث عن تسهيلها تنظيم شؤونهم المالية؛ ثمّ أن الخلفاء العباسيين شعروا، مع توفر الرخاء المادي، بضرورة تقدم العمران وتوسيعه. من ثم صارمعرفة علوم الهندسة حاجة ضرورية ؛ لبناء الجسور والسدود وغيره، ترجمة كتب الطب مثلا، جاءت لحاجة الناس إلى الطب، وترجمة كتب التنجيم جاءت لاعتقاد الخليفة المنصور بعلاقة النجوم بحياة الإنسان ومصيره.

في هذه الفترة، انتقل الاهتمام بالترجمة من الخلفاء إلى العامة من خارج نطاق السلطة. بذل بعض الميسوريين أموال كثيرة في سبيل ترجمة الكتب إلى اللغة العربية، و تجهيز المكتبات حبا في العلم و التعلم . يقول المستشرق الإنجليزي “رينولد نيكلسون "إن المسلمين في العصر العباسي، انطلقوا يجوبون بلاد القارات الثلاث بحثا عن ينابيع الثقافة، محلقين فوق بساتينها كالنحل، ليعودوا بعد ذلك بالشهد إلى طلبتهم المتعطشين له، مصنفين أعمالهم بما بذلوه من جهد متواصل، حتى أصبح ما يكون بدوائر المعارف، التي كان لها أكبر الأثر في نقل هذه العلوم الحديثة إلينا بصورة لم تكن متوقعة من قبل".

عن الكاتب

التاريخ الإسلامي باحث في الثاريخ الإسلامي، مالك ومحررموقع في ظلال الحضارة الإسلامية

التعليقات


اتصل بنا

إذا أعجبك محتوى مدونتنا نتمنى البقاء على تواصل دائم ، فقط قم بإدخال بريدك الإلكتروني للإشتراك في بريد المدونة السريع ليصلك جديد المدونة أولاً بأول ، كما يمكنك إرسال رساله بالضغط على الزر المجاور ...

جميع الحقوق محفوظة

في ظلال الحضارة الإسلامية